أنت الزائر رقم

لمــاذا دوّن المســـلمون تاريخـــهم ؟

الدكتور : نجيب بن خيرة
 قسم التاريخ و الحضارة الإسلامية ـ فرع خورفكان

لما جاء الإسلام انتشرت في البلاد الإسلامية حركة تاريخية واسعة النطاق،تركت في إثرها مادة تاريخية ضخمة وقد كان لذلك الجهد بواعث هامة ودوافع رئيسة جعلت هذا العلم ـ أي علم التاريخ ـ يصبح من أهم العلوم عند المسلمين. ولعلّ من أهمها:


1- حاجة المسلمين في تفسير القرآن الكريم إلى معرفة مناسبات آياته من موضع النزول إلى المكي والمدني إلى الليلي والنهاري، إلى الذي نزل في السفر أم في الحضر، مما يحتاج إلى بحث تاريخي في حوادث الإسلام، وهكذا كان التفسير من العوامل التي دعت إلى التدوين التاريخي.

2ـ الحاجة إلى معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم لأهميتها في التشريع كمصدر ثان له. قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا الأحزاب 21. فالوقوف على أقوال الرسول e وأفعاله كان ضروريا للاهتداء بهديها، والاستناد إليها في التشريع وفي السلوك السوي في الحياة، كما أن غزواته صلى الله عليه وسلم وغزوات أصحابه كانت لونًا من ألوان المعرفة التي تبصر الناس بحياة نبيّهم لما ترتب عليها من أحكام، ولتحقيق هذه الحاجة بدأ العمل في جمع أخبار السيرة النبوية و المغازي وتدوينها .


3 ـ رغبة الخلفاء في الاطلاع على سياسات الملوك ليعرفوا كيف يسوسون شعوبهم، خاصة بعد أن تعددت المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها في الدولة العربية وتشعبت شؤونها.
وقد ذكر المسعودي أن معاوية كان بعد أن يفرغ من عمله يستمر إلى ثلث الليل يستمع إلى أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة. ثم يدخل فينام ثلث الليل ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون وقد وكلوا بحفظها وقراءتها فتمر بسمعه كل ليلة جملة من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات.


4 ـ نظام العطاء والجند: فقد كان توزيع الجند في الجهاد والفتوح على أساس قبلي، وقد استلزم تنظيم شؤون الدولة المالية الاهتمام بهذا النوع من التاريخ فظهرت كتب " الطبقات " 


5 ـ تقدير الجزية والخراج عن طريق معرفة فتوح البلدان وذلك لأغراض ودوافع شرعية منها معرفة البلدان التي فتحت عنوة وتمييزها عما فتح صلحا، وكذلك معرفة أي سكان البلاد أهل عهد وأيهم أهل ذمة؟، لما يترتب على هذه المعرفة من أحكام شرعية في التعامل مع أهل البلاد وجباية الأموال لبيت مال المسلمين من الخراج والجزية وغيرها.


6 ـ تمحيص الروايات والأخبار الواردة عن النبي e وذلك ينبني على العناية بتراجم الرجال وتدوينها .مرتبة على نظام الطبقات أو حسب البلدان والمدن أو حسب تاريخ الوفيات أو على حروف المعجم لمعرفة ما في السند من علل كالاتصال أو الانقطاع أو نحوه .. وقد نشأ عن هذا التدوين ظهور تواريخ المدن ممثلة في تراجم رجالها وعلمائها.


7 ـ لقد أدى ظهور الفرق والتيارات السياسية مثل الخوارج والشيعة والقدرية وغيرهم إلى تسجيل الأحداث ومعرفة استخدامها في تأييد وجهات نظرها أوفي الدفاع عنها للرد على خصومها .


8 ـ الحركة الشعوبية: وهي تسمية مشتقة من الشعوب، أي العودة إلى ماضي الشعوب والتفاخر بعصبياتها الجغرافية والتاريخية، والشعوبيون هم الذين يحقدون على العرب ولا يرون لهم فضلا على غيرهم. فيصغرون شأنهم، ويهاجمون رسالتهم ويصفونهم بأحقر الأوصاف، وكانت وسيلتهم للوصول إلى غايتهم هو التشويه والدس على العرب بغمز تاريخهم وإبراز مقالبهم وتقصيها .
فمثلا قالوا:"لم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كل شق من الأرض لها ملوك تحميها ومدائن تضمها وأحكام تدين بها وفلسفة تنتجها، وبدائع تُفتقها في الأدوات والصناعات، مثل صنعة الديباج وهي أبدع صنعة ولعبة الشطرنج وهي أشرف لعبة ورمانة القباّن ...ومثل فلسفة الروم في ذات الخالق والقانون والاصطرلاب .... ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها، ويضم قواصيها، ويقمع ظالمها، وينهى سفيهها، ولا كان لها قط نتيجة في صناعة، ولا أثر في فلسفة، إلا ما كان من الشعر، وقد شاركتها فيه العجم وذلك أن للروم أشعارا عجيبة قائمة الأوزان والعروض .. فما الذي تفخر به العرب على العجم ..؟ " ، ومما قالوه أيضا: " لكل أمة في ماضيها ميزة، فالرومان تفخر باتساع سلطانها وكثرة مدنها وعظمة مدنيتها، والهند تفخر بحكمتها وطبها وكثرة عددها، والصين تزهو بصناعتها وفنونها الجميلة، على حين لا يوجد للعرب قبل الإسلام شيء تمتاز به جدب في الأرض ! كانوا في جاهليتهم يقتلون أولادهم من الفقر ولا يستقر لهم حال من الغزو والسلب، ويفعلون المكرمة الصغيرة كإطعام جائع، وإغاثة ملهوف فيملؤون بها الدنيا شعرًا ونثرًا ويتيهون بذلك فخرًا! ".وقد جعلت هذه المواقف كثيرًا من المؤرخين والأدباء العرب يتصدون لهذه الحملة الشرسة على الجنس العربي ويردون عليها معتمدين في ذلك على تاريخ الشعوب وحضارتها وشؤونها الاجتماعية والثقافية، ولعل أبرز من تصدى لذلك أبو عمرو الجاحظ .


9 ـ ظهور الورق: كان الناس قبل ظهور صناعة الورق يستعملون للكتابة الجلد أو ورق البردي أو ألواح الطين، وقد عرف الصينيون صناعة الورق قبل غيرهم من الأمم، ومن الصين انتقلت هذه الصناعة إلى سمرقند في بلاد ما وراء النهر، ولما فتح المسلمون هذه البلاد عام (94م /712هـ) تعلموا تلك الصناعة ثم لم يلبثوا أن أدخلوا عليها تحسينات جوهرية، فاستخرجوا الورق من الكتان والنباتات ذات الألياف، كما استخرجوه من الخرق القطنية التي تحتاج صناعته منها إلى مهارة يدوية وحرفية عالية .ومن سمرقند التي امتازت بكاغدها (كاغد سمرقند) نقل المسلمون صناعة الورق إلى بغداد. إذ تمكن الفضل بن يحي البرمكي والي الخليفة هارون الرشيد على خراسان من تأسيس أول مصنع للورق في مدينة بغداد عام (178هـ /794م). وقد أعانت هذه الصناعة بشكل واضح حاسم على نقل التدوين الفكري ـ (و التاريخي من جملته) ـ من الذاكرة إلى الشكل المكتوب.
كانت هذه هي أبرز الدوافع وأهم البواعث على التدوين التاريخي عند المسلمين وهناك دوافع ثانوية، فردية كانت أو جماعية مثل الرغبة في القصص والوعظ لما له أثر في إيجاد الرغبة لحفظ تلك الأخبار وتدوينها، بالإضافة إلى وضع التقويم الهجري وتحديد بدايته من الهجرة النبوية إلى المدينة في عهد عمر بن الخطاب t مما أدخل عنصرًا حيويا على الفكرة التاريخية الإسلامية، وكان خطوة هامة جدا في توطيدها، وساعد على ضبط الأحداث وترتيبها يقول عبد العزيز الدوري: "ومن ذلك الوقت أصبح توقيت الحوادث أو تأريخها العمود الفقري للدراسات التاريخية ".
وإلى هذا كله كانت الرغبة العلمية الخالصة وحب تدوين العلم وحفظه دافعا للكثيرين لجمع المعلومات التاريخية وتبويبها وتنسيقها. ثم إن التدوين بصفة عامة ظاهرة من ظواهر التمدن واستقرار الدولة وتوسع أنشطتها، والحركة التأليفية تبرز التحول الخطير الذي كان يعانيه العقل العربي في تلك الفترة .وأنه آخذ في التمدن السريع، وذلك بمشاركته في حركة التدوين والتأليف.
اقرا ايضا :

الثقافة والحكم والحكمة في رحاب الثورة التونسية..د.عبد الإله المالكى