أنت الزائر رقم

إنهيار الفكر العلمانى مجتمعات ما بعد العلمانية بقلم الدكتور هشام الحمامى





تجربة أردوجان وأوغلو وجول بما تحمله من تطور وتقدم فى مسار الفكر والحركة بإتجاه الإصلاح كان من الممكن جداً أن تكون عندنا وبيننا لو كان هناك قدر من الوفاء الإنسانى والأخلاقى والفكرى بين بعض العاملين فى المجال الإصلاحى والدعوى ..

على أن الموضوع الأساسى الذى أريد قوله هو أن الحديث عن العلمانية بالطريقة التى سمعناها وتابعناها مؤخراً حديث قديم جداً .. ويبدو أن (النخب الزاعقة) لا تقرأ ولا تتابع حركة الأفكار .. هم فقط إستناموا وإستراحوا إلى ما تشتهيه أفكارهم وتطلعاتهم .. ووقفوا عند التطور بمفهوم العلمانية إلى ما تأكد واستقر فى علاقة الكنيسة بالمجتمع والدولة من قرون مضت ..على أثر المصادمات الدامية بين الكنيسة والسلطة والمجتمع ..

كنيسة وقفت فى وجه العلم والعلماء وسلطة كانت تعامل رعاياها باعتبارهم قيان وعبيد ومجتمع غارق فى التخلف و التهلهل .. فكان رد الفعل المعاكس من العلماء والناس عنيفا .. فكان ما إنتهى إليه الأمر من إنتشار وسيادة لأفكار هيجل وفيورباخ ونيتشه وغيرهم من المفكرين والفلاسفة الذين نظروا للإنسان باعتباره مركز الوجود ..

سنة 1981م أصدر الفيلسوف الألمانى (يورجن هابرماس) إبن مدرسة فرانكفورت كتاباً صادماً عنوانه: (نظرية الفعل التواصلى) وأشار فيه إلى أن قيم العدل والمساواة إستخلاصات علمانية من الدين ..

وأن نظرية العقد فى السياسة ما هى إلا من مواثيق الدين .. كذلك فكرة الجدارة الإنسانية التى هى أساس حقوق الإنسان تنبع من الدين الذى يتساوى الناس فيه أمام الله .. ولولا هذا المصدر الدينى لكل هذه المعانى والأخلاق لكان من المشكوك فيه تعزيرها ونشرها ..

الرجل يريد أن يقول ببساطة إن الدين هو كل شىء فى الحياة وأنه المصدر الفياض بكل قيمنا الإنسانية الجميلة والنبيلة ..

سنة 2002م نشر الرجل كتاب أخر بعنوان (الدين والعقلانية .. مقالات فى العقل والحداثة) والذى صاغ فيه التعبير الرائع (مجتمعات ما بعد العلمانية) التى توحشت فيها القيم الرأسمالية الإستهلاكية .. وأشار إلى الدين ودوره المهم فى الحياة بما يمتلكه من رصيد يمنح الناس القدرة على الزهد والتعالى والترفع عن متطلبات الدنيا وتحقيق الطموحات والنجاح الدنيوى فى تحقيق الشهرة والثروة ..

فى لقاءات عديدة بكثير من نجوم الفكر والصحافة والسياسة أدهشنى أن أغلبهم لم يسمع عن هابرماس أصلاً .. أو ربما لأن أفكاره وقعت عليهم (كالسهام فى غبش الظلام) فلربما أنكروه ..

سعدت كثيراً بتطور الوعى بجزئية الدين والحياة على هذا النحو ..

فى الوقت نفسه كان المجتمع المصرى بعد حربى 1967م و1973م قد بلغ به الإنهاك مبلغاً كبيراً وهو ما ظهر فى حالة (التسطيح العامة) التى سادت وإنتشرت فى كثير من القطاعات .. كل ذلك أدى الى تكون تيار إسلامى مفعم بالمفاهيم الحركية وهو ما أتجه به تدريجياً .. أو هكذا بدا .. إلى النفور من حالة الثقافة والفكر التى تكون عادة مصحوبة بالجدل والنقاش والسؤال والتطور والتغيير فى حين أن المطلوب هو الحشد والإلتقاء حول الإلتزام الدينى والمعانى الأخلاقية البسيطة .. وهو شىء جميل .. لكن غير الجميل هو النفور من الثقافة والفكر سواء فى الحركة أو فى التربية .. فكى تبنى عالياً عليك ان تحفر عميقاً ..

ومن ترك العواقب مهملات

فأكثر سعيه سعى العناء


إلا أن الأمل الذى تبدى واضحاً فى الأجيال الحديثة من الإسلاميين .. أبناء العشرينات والثلاثينات .. يجعلنا ننظر للمستقبل بفرحة واعدة .. هم الذخيرة الحقيقية لمستقبل الإصلاح والبناء فى مصر .. ألتقى بهم دائماً سواء على الفضاء الإلكترونى أو فى الندوات والأماكن العامة .. يتميزون بثقافة وحضور وإنفتاح وعمق وتسامح حالة نموذجية للوسطية الحقة ..

أختم كلماتى بنداء ورجاء إلى العلمانيين أن يغيروا (ثيابهم الفكرية) التى أصبحت بالية للغاية ..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) جريدة المصريون بتصرف ..


شاهد ايضا :

الدين ضرورة نفسية وإجتماعية الدين كالماء والهواء بقلم د/ مصطفى محمود