أنت الزائر رقم

الإسلام فى مواجهة العلمانية .. جاهلية العصر الحديث

بقلم المفكر الإسلامى مراد هوفمان



مقدمة:

الحمد لله وكفى .. والصلاة والسلام على الذين أصطفى وبعد .. ،


يعتبر هوفمان كاتب ومفكر إسلامى ألمانى جرىء .. وقف فى وجه المجتمع الألمانى والغربى المادى عموماً .. معلناً بكل جرأة وشجاعة أن الإسلام هو البديل الوحيد للخلاص من جاهلية العصر الحديث .. العلمانية .. وذلك فى كتابيه: الإسلام كبديل .. والطريق إلى مكة ..


ويذكرنا ذلك الموقف بموقف خليل الله إبراهيم النبى صلى الله عليه وسلم .. حينما وقف وحيداً لا يخشى فى الله لومة لائم فى وجه عبدة الأصنام القدامى .. قائلاً لهم بكل صراحة ووضوح: ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون .. ؟!


يقول المسيح صلى الله عليه وسلم: ماذا يجدى المرء نفعاً إن ربح العالم وخسر نفسه .. ؟!


يقدم هوفمان فى مقاله .. بإعتباره مفكراً غربياً .. وصفاً مثالياً للحالة المزرية التى وصل إليها الغرب بعد تخليه عن دينه .. ويحث الأمة الإسلامية على الصحوة والنهوض عبر فقه الإجتهاد والتجديد .. لمواجهة خطر الفكر العلمانى فى العصر الحديث .. لأن فى ذلك إنقاذ للأمة وللعالم نفسه .. (*)

على الرغم من النمو الهائل للإسلام فى العالم المسيحى .. فإنه سوف يواجه على الأرجح فى القرن الواحد والعشرين مواقف مختلفة: (وثنية جديدة – لا أدرية – إلحاداً – شركاً من نوع جديد – عصبية ... إلخ) .. بالإضافة إلى ظهور أناس يعبدون اصناماً جديدة مثل: (الكوكايين-التنجيم- بوريس بيكر- كلوديا شيفر) ..

فى تقديرى .. لن يكون الصراع فيما بعد بين المسلمين والمسيحيين .. أو المسيحيين واليهود .. ولكن بين الأقلية التى تؤمن بالله .. المسلمين لله بالمعنى الأصلى للكلمة .. والأكثرية التى أصبحت لا تستريح لفكرة وجود الله ولا تجد لها معنى .. هؤلاء الناس الذين تنحصر عندهم الحقيقة فى حواسهم الخمسة .. فالدين عندهم خرافات .. أفيون الشعوب .. وعلامة على خداع النفس .. يكشف عن إختلال المنطق وحاجة للشجاعة ونقص فى الذكاء ..

لا يوجد فرق أساسى فى هذا المجال بين المجتمعات الشيوعية سابقاً .. التى تعرضت لسياسة إلحادية فاعلة .. والبلاد الغربية التى لم يشجع الإلحاد فيها علناً .. ولكن تحت سيطرة المادية والإستهلاك المطلقين .. أصبح الإلحاد الطابع العام للحياة ..


فى الواقع لقد تشرب الغرب وإستنشق كلاً من: كارل ماركس .. تشارلز دارون .. فردريك نيتشه .. سيجموند فرويد .. وهوبز الذى قال: (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان) .. ومعهم كل الفلسفة الوضعية بطريقة مبتذلة ..

سلكت البلاد الإسلامية .. إلى حد ما .. الطريق نفسه بعد إستعمار الغرب لها .. حيث هجر أكثر أهل الفكر فى تركيا ميراثهم الإسلامى تماماً فى سبيل الحداثة الأوروبية .. وذلك فى غضون جيلين من كمال أتاتورك .. لدرجة أن من أولادهم من لا يعرف شيئاً عن الإسلام ولا يستطيع قراءة الفاتحة ..


بالطبع ما يزالون يحتفلون بعيد الفطر .. دون أن يصوموا رمضان .. مثلهم فى ذلك مثل المسيحيين فى أوروبا وأمريكا الذين يحتفلون بأعياد الميلاد .. دون أن يجزموا بوجود الله أو المسيح .. ولا يتعارض ذلك عندهم مع إعتبار أنفسهم مسيحيين .. فالمسيحية تعنى فقط إمتنان الرأى العام لإنتشار حضارة إنسانية قامت على التراث المسيحى بقدر مساو للتراث الإغريقى والرومانى .. ومازالت مراسم التعميد و الزواج والدفن تتم بطريقة سطحية .. فهى لن تضر .. وقد تفيد بشكل أو بآخر ..


على الرغم من أنه مازال الكثير من الناس يشعرون بتعاطف تجاه العادات الوثنية المصاحبة لإحتفالات أعياد الميلاد .. فإنه حتى عندما يخاطب المستشار الكاثوليكى هلموت كول الشعب الألمانى فى هذه المناسبة .. فالله أو المسيح غالباً لا يجىء لهما ذكرهما .. فقد إنحصر الإيمان المسيحى فى الأصوليين الذين يحاولون .. دون جدوى .. إحياء الكنسية من أسفل ..


عوض الغرب خسارته لله بإيمان لا حد له بالتقدم .. الذى جعل العالم يبدو أكثر إستنارة وعقلانية .. أكثر تحرراً وإنسانية .. أصبحت عملية الحداثة على طريقة الحياة الأمريكية النموذج الذى يجب تشكيل العالم عليه ..


لا يهضم رجل الشارع الغربى .. بصرف النظر عن مستوى تعليمه .. إلا أن يعيش العالم كله مثله .. فى مأكله ومشربه وملبسه وعاداته .. يلبس الجينز .. يأكل الهمبورجر .. ويشرب الكولا .. يشاهد cnn .. إن عاجلاً أو آجلاً ..


تسلطت هذه الفكرة بعد إنهيار المعسكر الشيوعى عام 1990 م .. مما حدا بفرانسيس فوكوياما .. رئيس قسم تخطيط السياسة .. أن ينشر مقالته التى جعلها بعد ذلك كتاب (نهاية التاريخ) ..


كانت الرسالة واضحة: فقط البلاد المتخلفة والنائية سوف تعجز لفترة بسيطة عن إستيعاب التفوق المطلق للمنهج الغربى ..


بكلمات أخرى .. يعتقد الغرب بصفة عامة أن أسلوب الحياة الأمريكى سيفرض نفسه على العالم ..


عندما يطالب هاز كونج بأخلاقيات عالمية .. أو عندما يدعو فيلفريد سميث لتنمية لاهوت عالمى .. فإنهما فى إعتقادى يفكران فى أساس أوروبى لذلك ..


إذا لم يرد العالم الإسلامى أن يعيش فى مثل تلك الثقافة الواحدة .. وجب عليه أن يبذل جهداً هائلاً ليحقق دار إسلام القرن الحادى عشر .. حيث تصبح كلمة الله قانوناً .. وتزدهر الحضارة الإسلامية من جديد .. فى عالم يشعر فيه المسلم أنه فى بيته .. ليس كمواطن .. ولكن كمؤمن وعضو فى الأمة الواحدة .. عالم يمارس فيه المسلمون التكنولوجيا بعد تهذيبها من اللاإنسانية .. عالم يصعد فيه المدح والثناء للواحد الأحد .. وله كل التسليم والخضوع ..


عالم لا يستبد فيه الإقتصاد وكفاءة التشغيل والإنتاجية والتكنولوجيا العالية ومعدل التنيمة .. والحصول على أقصى ربح .. وإنما تتحكم فيه متطلبات البشرية .. المادية والعاطفية والروحية ..


بإختصار .. إذا أردنا نحن المسلمين أن نُنترك وشأننا .. فعلينا أن نجاهد جهاداً جباراً لنحمى حقنا فى الإختلاف الثقافى .. فى عالم يسعى لفرض النموذج الغربى ..



سوف يتطلب هذا إعادة تأسيس الفكر الإسلامى لمواجهة مد ما بعد الحداثة فى كل الجبهات: التعليم .. الإتصالات .. العلوم .. السياسة .. القانون .. الإقتصاد .. والتكنولوجيا ..


بإختصار .. يتطلب ذلك أن يعود المسلمون بالميلاد إلى مسلمين بالإيمان والفعل .. وليس هناك بديلٌ عن ذلك ..


لا ينبىء الموقف الذى جاهر به فوكومايا وزملاؤه عن إمكانية حوار مكافىء بين الشرق والغرب .. إن كان هناك أى حوار على الإطلاق .. ولنكن فطناء:


ما الذى يجعل اللاأدرية العلمانية تهادن الإسلام وتسعى لحلول وُسطى معه إذا كانت قد أفلحت بسهولة تامة فى تقليص المسيحية إلى خدمة إجتماعية .. ؟!


ما الذى يجعل الغرب يهتم بأن يبحث مع المسلمين مسائل تسمو عن المادة بعد أن نجح فى حذفها من أجندته .. ؟!


ما الذى يجعل الغرب يأخذ ثقافة العالم الثالث مأخذ الجد إذا كان العالم الثالث بما فى ذلك كثير من المسلمين إتخذوا الغرب قبلة .. وجعلوا من أنفسهم نماذج للسخرية لدى الغرب .. ؟!


يجد السائح الغربى فى بعض البلدان الإسلامية النبيذ والخنزير والإباحية والعرى واليانصيب القومية والقروض الحكومية ذات 14 % فوائد .. ويجد العمل بالتقويم المسيحى .. وجعل السبت والأحد إجازة إسبوعية .. أما المساجد فلا تمتلىء بالمصلين .. ما الذى يأخذ العمال الأجانب فى بلده مأخذ الجد عندما يسألون عن اللحم الحلال .. ؟!


ألن تبدو مدناً مثل إسطانبول وإزمير ذات وثنية حديثة بالرغم من الآذان ضعيف الإستجابة .. ؟!


الحوار بين الشمال والجنوب فى إتجاه واحد .. فقد ربح الغرب سباق الإعلام من زمان .. ليعرض أفكاره على المسلمين بالجملة .. ويتحكم فى حياتهم كالطاعون ..


رغم كوارث المائة عام الماضية يبدو بطريقة لا تصدق أن الإيمان الأبله للغرب بالإله الجديد (التقدم) مازال سائداً ..


هل لم يستطيع الناس أن يتحققوا أن الحكم المستنير للعقلانية والإنسانية .. لم يمنع حربين عالميتين وحشيتين .. إستخدمت فيهما قنابل الغاز والقنابل النووية .. والقصف الإستراتيجى على المدنيين فى مدن مثل درسدن .. (*)


(*) والسبب فى ذلك نظرية دارون المادية .. هشام ..


هل إستراتيجية مبنية على الردع المتبادل مع التهديد بالإبادة النووية تُعد عقلانية .. ؟!


يمكننى أن أستمر ولكننى لن أفعل ..


يمكن للمفكرين الغربيين أن يستنتجوا .. وقليل منهم فعلوا .. أن الأحداث الرهيبة للقرن الحالى .. نفت إمكانية أن تعتمد الأخلاق على التقدم .. تسليم الإنسان للأوامر الأخلاقية الإلهية .. ولا شىء غير ذلك .. يمكن أن يضبط الأعمال الأخلاقية للأفراد والجماعات .. (1)


معلوم أن الأفكار العلمية تصبح مقبولة بعد سنوات كثيرة من إحكامها وإتقانها .. لذلك ليس من المستغرب أن عامة الملحدين واللاأدريين فى الغرب يتبعون بفخر أفكاراً فلسفية من القرن التاسع عشر .. متجاهلين تعارضها مع نتائج أبحاث حديثة .. يصدق هذا بصفة خاصة على الفيزياء والمايكرو والماكرو وأبحاث المخ .. (2)


سوف يذهل كثير من الأكاديميين (المفكرين) عندما يعلمون عدد علماء الطبيعة والطب والبيولوجى المتفوقين الذين يعتقدون فى وجود قوة عليا مفكرة خلقت الأكوان .. (3)


تطور الفيزياء لمرحلة ما بعد العلم الحديث .. والذى فتح الباب أمام الحقيقة الميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) .. بدأ على يد ماكس بلانك (1947م) مكتشف النظرية الكمية .. ألبرت أينشتين مكتشف النظرية النسبية (1955م) .. فرنر هايزنبرج (1976م) الذى أعلم فى عام (1927م) مبدأ عدم التأكد أو عدم التحديد (مبدأ الشك) إستحالة تحديد وضع وسرعة الإلكترون فى الوقت نفسه .. فإما أن يظهر كجزىء أو كموجه ..


دمر هؤلاء الألمان العمالقة مع زملاء لهم مثل: نيلز بوهر .. وماكس بورن .. آرثر إدنجتون .. إروين شرودر على سبيل المثال لا الحصر المبادى التقليدية للمادة والزمن والفراغ .. ليمهدوا لإعادة دخول الدين فى العلم .. (4)


لخص ريتشارد سوينبرن نظرية الإحتمالات قائلاً: [إنه من غير المقبول لأقصى الحدود عدم وجود الله] إهـ ..


فى الحقيقة .. أكثر الفيزيائيين المذكورين وكارل فريدريش فون فايساكر معهم تحولوا بالمصطلح الفلسفى إلى مثاليين ما بعد الأفلاطونية .. فيعتقدون بوجود العالم الروحى .. (5)


لا أريد أن أزعم أن رجل الشارع غفل عن تلك الثورة كلياً .. ولكن ما إقتبسته منها هو أكثر قليلاً من أن كل شىء نسبى .. وكل الإدراكات تقع تحت تأثير نفسى .. والمنطق البشرى قادر فقط على تحديد أبعاده المتماثلة مع الإدراك الحسى .. كما ألح ديفيد هيوم فى (تساؤل حول الفهم الإنسانى) .. إيمانويل كانت (نقد العقل الخالص) .. لودفيج فيتجنشتاين (بحث المنطلق الفلسفى) كل فى زمانه ..


وفى الحقيقة .. الفيزياء الحديثة التى أخطأ العامة مغزاها لم تؤد لتواضع المفكرين .. مثلما كان من أبى الحسن الأشعرى (*) .. ولا للإعتراف بأن أحدث ما عرفناه عن بدء الكون والحياة على الأرض ينسجم مع ما جاء فى القرآن فى ذلك المجال .. بل رأى الإنسان الحديث شكه .. لا أدريته .. وفرديته .. رأى هذه الأمور تتأكد بإنهيار الماركسية .. الداروينية والفرويدية .. فصاغ ذلك الفيلسوف يورجن هابريماس: [أصبحت الأخلاقيات الحديثة تجسيداً لمبدأ الذاتية .. بكلمات أخرى .. إستمر الناس فى الإعتقاد (بطريقة الدين الزائف) .. أنه لا خلاص خارج العلوم (التجريبية) .. وإستمروا على خطئهم فى إقامة ذلك العلم القاطع على مادية ووضعية القرن التاسع عشر التى عفا عليها الزمان] إهـ ..


(*) يقصد عندما تحول الإمام / أبو الحسن الأشعرى من مذهب الإعتزال إلى مذهب الإمام / أحمد إبن حنبل فى العقائد .. هشام ..


إنه لأمر مزعج قلة من يهمهم شأن ما أصاب مجتمعاتهم فى الغرب .. فقدان المعنى .. وغياب أى هدف أسمى فى الحياة .. مع إزدياد الفراغ .. نقص روحى ينذر بتحويل الوجود الفردى إلى مهمة يائسة عديمة المعنى .. حقاً كما قال برافيس منصور: [الإلحاد يجبى ضريبته من كل نفس فى الغرب] إهـ ..

كما لو كان الإنحطاط المأساوى لأخلاق الغرب وتضامنه غير واضحين: الجريمة .. إدمان الكحوليات والمخدرات .. الشذوذ المعلن .. الإساءة للأطفال .. إرتفاع معدلات الطلاق (إن كان هناك زواج أصلاً) .. الإباحية الشديدة .. قد يكون الأسوأ فى ذلك الشباب ليعيشوا فرادى رجالاً نساءاً .. ولا يستطيع أحد أن يقدر حجم الخسارة لجيل نشأ دون وجود أحد والديه ..


يصاحب هذه الورطة ويعقدها روح تشككية بعيدة عن الإطمئنان واليقين ..


تأكد الناس أن المستقبل لا يحمل ما يتوقعونه .. تلا إنهيار الشيوعية فترة قصيرة لإنتصار الغرب .. وبدلاً من أن ينعم العالم بالسلام .. إنتكس إلى قوميات وشوفينيات القرن التاسع عشر .. وما تسببه من حروب مسعورة مثل تلك التى شنها الأرثوذكس اليونانيون والصرب ضد كل من كرواتيا والبوسنة والهرسك .. والتى شنها الروس على المسلمين فى القوقاز ..


ولم يسترح الناس أيضاً عندما تحققوا أن العالم المسمى بالمتحضر غير قادر على كبح تدمير البيئة سواء بسبب نوع الوقود أو الزيادة المتناهية فى الإستهلاك .. يُلهب الدخان والضباب فوق المدن الكبرى مخيلاتنا بيوم القيامة .. ولكن لا يمكن كبح جماح الهدونيزم .. (*)


(*) مذهب فلسفى يقول: إن اللذة هى الخير فى الحياة وحدها: (دعنا نأكل ونشرب فإننا غداً نموت) ..


لقد إستنزف الإنحلال قوة إرادة الغرب .. ولا تستطيع الطبيعة أو البيئة أن تحل محل الدين فى بواعثه وأهدافه ومرجعيته الشاملة .. ولا يمكن أن تمد الإنسانية بقيم تجمعها ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) المقال منقول بتصرف بسيط من كتاب (الإسلام عام 2000) .. الفصل الرابع .. مراد هوفمان .. مكتبة العبيكان ..

شاهد ايضا :