أنت الزائر رقم

الدكتور / محمد البرادعي ..نهاية قبل البداية

عامر عبد المنعم
الدكتور محمد البرادعي لم يكن أحد يتوقع نهاية الدكتور محمد البرادعي بهذه السرعة قبل توجه الشعب المصري لصناديق الانتخابات في المرحلة الأولى لاختيار البرلمان الجديد.

لقد فشلت محاولة الانقلاب على السلطة بتشكيل حكومة من قلة في ميدان التحرير برئاسة البرادعي، وأطاحت طوابير المليونيات أمام اللجان الانتخابية بحلم الرجل في القفز على السلطة بأي طريقة استبدادية.

أسقط الشعب المصري بالضربة القاضية المخطط الأمريكي المعادي الذي يريد نقل السلطة من المجلس العسكري إلى مجلس أو حكومة برئاسة البرادعي، بعيدًا عن الإرادة الشعبية.

لم يسقط البرادعي لوحده، وإنما سقطت معه المجموعات والائتلافات والشخصيات التي حاولت تقديمه في لحظة فارقة من تاريخ مصر.

لم يدرك من شاركوا في المؤامرة أن الشعب المصري لم يقم بثورته ليتخلص من الموظف الأمريكي حسني مبارك، ليأتي بالموظف الأمريكي محمد البرادعي.

راهنت الإدارة الأمريكية على محمد البرادعي وقام الإعلام الغربي والعربي الممول أمريكيًّا بتلميعه، وانساق خلف الخدعة الكثير من الراغبين في التغيير دون عقل، حتى جاءت اللحظة الفارقة التي كشفت المخطط المفضوح.

لم نكن نتوقع هذه الحماقة من غرف العمليات الأمريكية والأوربية لتنصيب البرادعي بهذه الطريقة الفجة رئيسًا لما يسمى "حكومة الإنقاذ الوطني" بعد فشل خدعة ما يسمى "المجلس الرئاسي المدني".

التزمنا الصمت منذ ظهور البرادعي في آخر عهد مبارك، ورأى البعض عدم انتقاده من باب حشد القوى لإسقاط مبارك، وعدم افتعال الخلافات خاصة أن بعض القوى السياسية وقفت خلفه وجمعت له التوقيعات، ولكن رغم ذلك كنا نرى الخطر، وكنا نعلم أن أمريكا تقف خلفه بقضها وقضيضها، خاصة بعد فشل محاولة الدفع ببديل آخر.

لكن ما هي قصة البرادعي؟ وكيف صعد؟ وكيف صنع الإعلام هالة حوله ضخمت من حجمه بغير الحقيقة على الأرض؟

عندما بدأ السويدي هانز بليكس مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الاعتراض على التدخل الأمريكي في شئون الوكالة والضغط عليه لإصدار تقارير لجان التفتيش بإدانة الحكومة العراقية، بدأ الأمريكيون يفكرون في الخلاص منه وتعيين بديل ينفذ رغبات البيت الأبيض.

الذي دفع الأمريكيين إلى التخلص من بليكس أنه بدأ يثرثر ويصدر التصريحات التي تفضح الحكومة الأمريكية، ومن أبرز ما كشفه عمليات التجسس عليه وعلى الأمم المتحدة بوضع أجهزة التجسس عليه في منزله ومكتبه بالوكالة وفي مجلس الأمن.

عندها بحث الأمريكيون عن الشخص المناسب الذي يؤدي المهمة في صمت، ويقوم بالمراد فكان البرادعي.

كان الصعود المفاجئ لمحمد البرادعي عندما رشحته أمريكا ضد مرشح مصر السفير الدكتور محمد شاكر لتولي منصب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 1 ديسمبر 1997م خلفًا للسويدي هانز بليكس، وتحايلت أمريكا لكونه ليس مواطنًا أمريكيًّا بدفع المجموعة الإفريقية لترشيحه. طلبت أمريكا من الدول الأعضاء تأييد مرشحها وعدم تأييد المرشح المصري، فحصل البرادعي على 33 صوتًا من إجمالي 34 صوتًا في اقتراع سري للهيئة التنفيذية للوكالة.

منذ تقلده المنصب قام بدوره المطلوب أمريكيًّا على أكمل وجه، قاد حملات التفتيش على الأسلحة في الدول التي تصفها أمريكا بالمارقة (العراق، إيران، كوريا الشمالية). كتب التقارير عن العراق وفقًا لرغبات أمريكا، ولا مانع من الإدلاء بتصريحات حمالة أوجه يمكن تفسيرها بأكثر من وجه، لكن محصلتها عدم تبرئة العراق. ونظرًا لأداء وظيفته كما هو مطلوب قامت أمريكا باختياره رئيسًا لفترة ثانية في سبتمبر 2001م ولمرة ثالثة في سبتمبر 2005م.

يصف العراقيون البرادعي بأنه مجرم حرب، وهناك من يتهمه بمشاركة الأمريكيين في الحرب ويطالب بمحاكمته على تقاريره وجولاته الاستعراضية التي مهدت الأرضية لجورج بوش وفريقه للقيام بالغزو وتدمير العراق.

مواقف البرادعي في الوكالة الدولية لم تكن في صالح العرب والمسلمين. لم يكن مدافعًا عن قضايا الأمة، وإنما كان جنديًّا لأعدائها. فالتفتيش كان في بلاد المسلمين لتجريدها من أي مشروع نووي، حتى وإن كان للأغراض السلمية.

لم تتطرق الوكالة في عهده لأسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها إسرائيل، ولم يصدر أي تقرير عن ترسانة الأسلحة الإسرائيلية.

وفي عهده كانت لجان التفتيش تزور البلدان العربية وتأخذ عينات لتحليلها؛ حتى تتأكد أمريكا وحلفاؤها الغربيون أن العرب ما زالوا في بيت الطاعة، ولن يدخلوا هذا المجال. وإذا لخصنا مهمته خلال الفترات الثلاث التي ترأس فيها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، سنجد أنها تدور حول تجريد المسلمين من أي سلاح نووي ومنع أي تحرك ولو بحثيًّا في هذا المجال، وتبليغ أمريكا لتمارس الضغوط والإرهاب.

مقارنة مع بليكس

إذا أجرينا مقارنة بين محمد البرادعي وهانز بليكس، سنكتشف أن بليكس أكثر نزاهة ومبدئية، رغم أنه ليس عربيًّا ولا مسلمًا. فالرجل بحسه الإنساني قال: لا لأمريكا، ورفض أن يكون مجرد موظف ينفذ ما يطلبه منه البيت الأبيض، وأعلن رفضه للإجرام الأمريكي.

ملأ هانز بليكس الدنيا ضجيجًا، فاضحًا الدور الأمريكي في التأثير على الوكالة، وحتى الآن يحضر بليكس المؤتمرات ويجوب العالم كاشفًا خدع الأمريكيين. ومؤخرًا حضر جلسات في مجلس اللوردات البريطاني، وأدلى بشهادته ضد توني بلير وتورطه مع الأمريكيين في غزو العراق وقتل أكثر من مليون عراقي بذريعة أسلحة الدمار الشامل.

في المقابل كان البرادعي موظفًا مثاليًّا بالنسبة للأمريكيين. ظل طوال فترات مسئوليته في الوكالة مطيعًا وكتومًا. قدَّم للأمريكيين ما أرادوا طوال الفترات الثلاث، واعترف مرارًا في مؤتمرات صحفية علنية بتعاونه مع المخابرات الأمريكية التي كانت تمده بالمعلومات حول الأماكن التي يجب التفتيش عليها.

لم يصدر البرادعي أي تقرير يكشف فيه كذب الادعاءات الأمريكية عن وجود أسلحة نووية في العراق، بل كان يهدد ويتوعد صدام حسين، متهمًا إياه بعدم التجاوب مع لجان التفتيش، وفي النهاية هو الذي قدم الوعود الكاذبة لصدام وساومه لتفكيك صواريخ سكود العراقية مقابل إصدار تقرير بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، فقبل صدام وأشرف البرادعي بنفسه على تفكيك الصواريخ أمام عدسات الإعلام، ولكن لم يصدر البرادعي التقرير وحدث الغزو، فلم يجد الجيش العراقي ما يدافع به عن نفسه.

التقارير التي وقع عليها البرادعي المتعلقة بالدول العربية كانت لحرمانها من دخول هذا المجال، ولم يتورع عن إصدار تقرير ضد مصر زعم فيه اكتشاف يورانيوم عالي التخصيب، وهو ما تسبب في ممارسة ضغوط أمريكية وأوربية على الرئيس المخلوع، فاضطر للتراجع وعرقلة المشروع المصري.

ولمنع مصر من دخول المجال النووي للأغراض السلمية كتب البرادعي تقريرًا قال فيه: إن مصر تفتقر إلى الكوادر الفنية اللازمة لذلك؛ فضغط الغرب على مبارك فتوقف البرنامج. أي أن البرادعي كان خصمًا لمصر ولم يكن عونًا لها.

ومن يرد المزيد عن تقارير البرادعي ضد الدول العربية والإسلامية، فليرجع إلى الدكتور يسري أبو شادي كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق الذي فضح مواقف البرادعي الموالية لأعداء الأمة.

جائزة نوبل

الحقيقة التي لا يستطيع البرادعي نفيها أنه كان وما زال وفيًّا للأمريكيين، وهم من جهتهم ردوا إليه الجميل بترشيحه لنيل جائزة نوبل.

هذه الجائزة لا يحصل عليها في العالم العربي إلا من يرى الغرب أنه ضد أمته الإسلامية أو ضد دينها الإسلام، أو من ينتمي للغرب قلبًا وقالبًا، أو من يسانده اليهود، وهذا أمر معروف ومشهور.

تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري

البرادعي الذي يريد البعض أن يتولى رئاسة "حكومة الإنقاذ المزعومة" لا يرى ما نراه من مخاطر، ولا يتفق معنا في رؤيتنا للعدو، وهو يفكر بذات المنطق الأمريكي.

في النظرة لمحددات الأمن القومي ودور الجيش المصري لا يختلف البرادعي عن قادة المخابرات الأمريكية، فهو مثلهم يرى أن الجيش المصري عليه أن يعمل وفق الرؤية الأمريكية ولا شيء غير ذلك؛ ففي الحوار الذي أجراه محرر الأهرام سمير السيد يوم 17/04/2011م قال البرادعي: إن جيش مصر ستقتصر مهمته "على مواجهة التحديات المعاصرة مثل الإرهاب والجريمة المنظمة والحروب الأهلية". أي أنه يريد تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري واستبعاد إسرائيل عن كونها عدوًّا. فهو يريد أن يكون جيش مصر مفرزة أمريكية لمكافحة ما يسمى "الإرهاب"، وأن يتحول الجيش المصري إلى خوض حروب أمريكا بالوكالة كما نشاهد في باكستان، وما يفعله علي عبد الله صالح قبل الثورة اليمنية.

فمكافحة الإرهاب والجريمة ليست مهمة الجيوش، كما أن الحرب على ما يسمى "الإرهاب" حربٌ أمريكية مصطنعة، وثبت أنها تستهدف الإسلام كدين.

ولكن أخطر ما طرحه البرادعي هو أن يستعد الجيش المصري للحرب الأهلية، فهذا هو الباب الجديد الذي يريد الأمريكيون وعملاؤهم أن يفتحوه ويمهدوا له في مصر، فإثارة النعرات وكثرة الكلام عن توقع حروب أهلية يلفت الانتباه إلى ما يستهدفه المخطط المعادي. وظهر هذا الأمر في الفترة الأخيرة في نفخ الإعلام الفاسد المتأمرك في المشكلات الطائفية بين المسيحيين والمسلمين، وتحريض الأقلية المسيحية على التمرد والصدام، وإثارة الأعراق كالنوبة والجهويات كسيناء.

وهذا المكر الخطير في إثارة التناقضات والانشقاقات داخل النسيج الوطني ظهر في أوراق مكتوبة مثل مشروعات الوثائق التي انشغلنا بها طوال الشهور الأخيرة حول ما يسمى المبادئ الدستورية، التي وردت بها فقرات عما أسموه مناطق ذات طبيعة ثقافية خاصة، وكان واضحًا من الصياغات أنها كتبت خارج مصر.

لكن ما يمهد له البرادعي يتسق مع دوره الجديد كموظف في "مجموعة الأزمات الدولية" اليهودية، التي تقوم الآن بتقسيم العالم العربي، وهذا الدور يمكن أن نطلق عليه سايكس بيكو جديد.

مجموعة الأزمات الدولية

يعمل محمد البرادعي حاليًا في أخطر منظمة تعمل لتمزيق العالم العربي وتقود وتنفذ المخطط لتقسيم الدول العربية، وهي "مجموعة الأزمات الدولية".

أسس هذه المنظمة كبار اليهود الأمريكيون والأوربيون لتقنين عملية تمزيق الدول، واللعب على قضية الأعراق والإثنيات.

أبرز قادة هذه المجموعة رجل الأعمال اليهودي الشهير جورج سورس الذي يشرف حاليًا على منظمات تقوم بتدريب مجموعات شبابية من مصر والدول العربية لتشكيل امتدادات شعبية للمخططات المعادية.

قادت "مجموعة الأزمات الدولية" معركة فصل جنوب السودان، وهي التي شنت الحملة الإعلامية ضد النظام السوداني، واخترعت موضوع الإبادة في دارفور. وتقود الآن حملة إعلامية وسياسية أخرى لتفكيك شمال السودان.

وهذه المجموعة التي تمولها شخصيات ومنظمات يهودية لعبت دورًا محوريًّا في طرح الفيدرالية في العراق، بل إنها تعمل على فصل كركوك عن بغداد ليس لضمها إلى السليمانية، وإنما لتكون وحدة إدارية منفصلة.

وتلعب "مجموعة الأزمات الدولية" نفس الدور الشرير في اليمن لفصل الجنوب. ومنذ سنوات تصدر التقارير بشكل دوري للضغط على الحكومة اليمنية لحماية ما تطلق عليه خصوصية الجنوبيين وحقهم في الانفصال.

والدور التآمري لهذه المجموعة واضح في القضية الفلسطينية، فتقاريرها تحريضية ضد الفلسطينيين وانحيازها للاحتلال الإسرائيلي واضح. وآخر مواقفها المعادية للحق الفلسطيني رفضها لمبادرة محمود عباس الأخيرة للتوجه إلى الأمم المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية، حيث حرضت الأوربيين للوقوف ضد هذه الدولة ومساندة الفيتو الأمريكي.

وكأن البرادعي لا يكتفي بدوره في تجريد المسلمين من سلاحهم النووي، فراح يشارك في أخطر منظمة يهودية تعمل على تمزيق الدول العربية واحدة بعد الأخرى.

موقفه من الإسلام

موقف البرادعي من الإسلام شديد الغرابة، ففي تصريحاته للإعلام الغربي يظهر لهم أنه لا ينتمي للثقافة الإسلامية، ويتعمد ذكر أشياء مسيئة له كشخص محسوب على المسلمين، وتسيء له أخلاقيًّا.

وله تصريحات متناثرة كثيرة، لكن أكثرها جرأة ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز في عام 2007م حيث نشرت مقابلة أجريت معه قال فيها كلامًا لا يليق، والغريب أنه نشر نص هذا الحوار المسيء على موقعه الشخصي منذ شهور، ويبدو أن هناك مَن نصحه برفعه، فحذفه مؤخرًا.

في هذا الحوار المنشور في الصحيفة الأمريكية أكد البرادعي الذي يريد أن تنصبه قلة في ميدان التحرير رئيسًا لحكومة مصر أن الدين ليس له أهمية في حياته، وأنه انزعج بشدة؛ لأن والدته ارتدت الحجاب وظل يجادلها يوميًّا ليقنعها عبثًا بخلعه.

وقال: إن أول صديقة له (girlfriend) كانت يهودية، وأن الذهاب إلى البار الأيرلندي من الأشياء المحببة.

أي إنسانٍ هذا الذي يريد أن تخلع أمه حجابها وهي العجوز التي تجاوزت الثمانين عامًا؟! هذه الواقعة وحدها كافية بطيِّ صفحته كسياسي يترشح لعضوية المجلس المحلي في أي قرية مصرية، وليس كمرشح لقيادة دولة كبيرة كمصر دينها الإسلام.

هذا هو البرادعي، وهذه هي مواقفه.

من لا يريد أن يفهم أن المسرحية انتهت فلن يجني إلا الشوك، ومن يلعب بالنار تحرق أصابعه، ومن يتورط في المخطط الأمريكي بغير وعي، عليه أن يعترف بالخطأ ويرجع ليشارك في استقلال مصر عن الهيمنة الأمريكية، وأما مَن يعبد أمريكا ويصرُّ على السير في الطريق الخطأ، فهو أمام حائط سد.

لقد انتهت اللعبة، فهل من معتبر؟!

المصدر: جريدة الفتح المصرية.

شاهد ايضا :