أنت الزائر رقم

أبعاد مؤامرة إقصاء الإسلاميين في مصر .. علي عبد العال


الإسلاميين في مصريبدو أن مصر مقبلة داخليًّا على ما يشبه المؤامرة والانقلاب الكبير على الأوضاع للحيلولة دون تحقيق الاستقرار فيها، أو وصول هذه الثورة الشعبية إلى بر الأمان.

تحاك خيوط هذه المؤامرة بأبعاد مختلفة، داخلية وخارجية، من خلال خلق حالة من التحالفات بين تجمعات سياسية وأمنية واقتصادية وإعلامية في الداخل، وقوى دولية متنفذة لها خيوط تسعى إلى تحريكها في الداخل أيضًا. كل ذلك بهدف توحيد هذه القوى مجتمعة خلف هدف واحد متمثل في إقصاء الإسلاميين، أو على الأقل تحجيمهم انتخابيًّا وسياسيًّا وربما مجتمعيًّا، بكل السبل المشروعة وغير المشروعة.

ويمكن الوقوف على حقيقة مثل هذا الاستنتاج من خلال الربط بين عدد من الأخبار والأحداث التي تناقلتها الصحف ووسائل الإعلام خلال الأيام القليلة الماضية:

- فقد عقدت لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأمريكي في 13 إبريل 2011م جلسة حول الانتخابات المصرية القادمة والحكومة التي قد تنشأ عنها. استمعت فيها إلى توصيات "روبرت ساتلوف" مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، المؤسسة الفكرية للوبي الصهيوني. فأوصى ساتلوف الإدارة الأمريكية بأن تقوم مواقفها العلنية على تحذير المصريين من أنها ستقبل فقط التعامل مع حكومة لها مواصفات معينة، من أهمها: السلام مع إسرائيل، والشراكة الثنائية مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وإفريقيا والبحر المتوسط. كما حث ساتلوف واشنطن على ممارسة الضغط على المجلس العسكري الحاكم في مصر؛ لثنيه عن تمرير قوانين انتخابية قد تسمح بوصول الإسلاميين إلى حكم البلاد.

- وفي مقاله بصحيفة "الشروق" 14 مايو 2011م حكى الكاتب فهمي هويدي كواليس دعوة وجهتها الخارجية الفرنسية إلى ستة من شباب التجمعات السياسية المصرية لحضور ندوة في باريس 14 و15 إبريل الماضي. وكان من بين الشباب اثنان أحدهما يمثل الإخوان المسلمين، والثاني عن حزب الوسط. وقبل الندوة تمت دعوة ثلاثة من الشبان من جانب حزب الرئيس ساركوزي، فكان ممثل حزب الوسط أحد الثلاثة، في حين استبعد ممثل الإخوان.

وخلال الجولة الحزبية التقى الشبان الثلاثة كوادر الحزب الفرنسي الحاكم، وفي المقدمة منهم شخصيتان مهمتان، إحداهما "فالارى هوتنبرج" وهي يهودية تعمل سكرتيرة للرئيس ساركوزى لشئون العلاقات العامة والأحزاب، و"جان فرانسوا كوبيه" الأمين العام للحزب. تطرق الحديث إلى استعداد الحكومة الفرنسية لتقديم مختلف صور الدعم للقوى السياسية المصرية التي ظهرت أثناء الثورة. وعبر كل من فالارى وكوبيه عن رغبة فرنسا في التعاون مع الأطراف التي تتبنى عددًا من القضايا الأساسية هي: علمانية الدولة المصرية، وتأييد معاهدة كامب ديفيد، والدفاع عن السلام مع إسرائيل، ومعارضة حركة حماس، والدفاع عن الرئيس السابق حسنى مبارك ورفض تقديمه إلى المحاكمة، والاصطفاف إلى جانب التيارات السياسية التي تعادي الإخوان المسلمين؛ لإضعاف حضورها في المستقبل السياسي لمصر.

وحين جادلهم ممثل حزب الوسط معارضًا أطروحاتهم، ألغوا زيارة كان مقررًا أن يقوم بها الثلاثة للبرلمان الفرنسي، ورتبوا لهم جولة في متحف الهولوكوست، الذي يخلد قتلى اليهود الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية.

ما سبق يمكن طرحه باعتباره صورًا من تدخلات الخارج، المخفي عنا منها دائمًا أعظم بكثير مما نعرف، وهي جهود لا يمكن التقليل من حجمها ولا أثرها، وهي أيضًا جهود لا تتوقف ومتوافقة إلى حد كبير مع ترتيبات لا يمكن إغفالها تجري في الداخل.

- ففي مقال له تحت عنوان "بلاغ للمجلس الأعلى للقوات المسلحة" كشف الكاتب المصري د. محمد عباس عن مؤامرة يحيك خيوطها جهاز أمن الدولة المنحل؛ من خلال استغلال أفراده ومنتسبيه السابقين وهم يتخفون في الصورة المعروفة عن السلفيين، من اللحية وارتداء القميص الأبيض، وقيامهم بأعمال تخريبية بهدف تشويه سمعة السلفيين، وإثارة الرأي العام ضدهم، وإدخال البلاد في حالة من الفوضى تحول دون استكمال الإصلاحات وتحقيق نتائج الثورة؛ الأمر الذي ينذر بـ"كوارث مروعة توشك أن تحدث" على حد وصف الكاتب.

- على الصعيد السياسي والحزبي تشهد الساحة المصرية تشكل عدد من التحالفات بين قوى وأحزاب مناوئة للإسلاميين؛ ففي (10 مايو 2011م) جرى الإعلان عن تشكيل "جبهة القوى الاشتراكية" مكونة من خمسة أحزاب يسارية هي: التحالف الشعبي الاشتراكي، والحزب الاشتراكي المصـري، والحزب الشيوعي المصري، والاشـتراكـيين الثــوريين، وحزب العمـال الديمقراطي. وجاء على رأس الأهداف المعلنة التي تضمنها البيان التأسيسي أن الجبهة تهدف إلى مواجهة ما وصف بـ"الاتجاهات المتطرفة والرجعية"، وترفض تحوُّل مصر إلى دولة يمثل "الدين" مرجعيتها.

- وفي 14 مايو جرى ما يشبه التحالف بين 4 أحزاب علمانية هي: المصري الديمقراطي، وحزب المصريين الأحرار، وحزب الجبهة الديمقراطية، وحزب العدل. بعدما عقد هؤلاء أول مؤتمر لهم بفندق "شبرد" تحت عنوان "أول مناظرة حزبية في مصر" إلا أن من حضر المؤتمر رأوا فيه ائتلافًا واضحًا بين هذه الأحزاب لمواجهة الإسلاميين، حيث جرى التعريف ببرنامج كل حزب وأهدافه ومبادئه الأساسية، ودعا المتحدثون عن الأحزاب إلى تأجيل الانتخابات المقررة في سبتمبر القادم، وطالب ممثلو حزب العدل بتنظيم مسيرة مليونية في ميدان التحرير للمطالبة بتأجيلها.

- وفي الإطار نفسه جرى تشكيل ائتلاف من عدد من الناشطين الأقباط تحت اسم "أقباط من أجل الانتخابات" يسعى للعب دور سياسي تحت شعار "حبًّا في المسيح وخوفًا على الأقباط"، وترشيح مائة قبطي في انتخابات مجلس الشعب، وفي تصريح له قال الناشط القبطي مجدي تادرس: إن الأقباط قرروا المشاركة كلاعب أساسي، ولن يتركوا الساحة أمام "الإخوان المسلمين".

كل ذلك يجري إلى جانب نشاط غير عادي من قبل عدد من أصحاب المال ورجال الأعمال لتمويل كل ما يمكن أن يساهم في تحجيم الإسلاميين سياسيًّا وحزبيًّا، والحد من شعبيتهم في الشارع.

ما سبق يعطي ملامح قوية على أننا بالفعل أمام مؤامرة متعددة الخيوط والأطراف، القاسم المشترك بين كل أطرافها متمثل في إقصاء قوى بعينها عن المشهد السياسي، وبذل كل ما يمكن للحيلولة دون فوزها بأي استحقاق انتخابي قادم. ولو اقتضى الأمر مخاطبة المجلس العسكري بكل اللغات التي يفهمها من أجل تأجيل هذه الانتخابات، ولو أضرت أيدي مصرية بأمن مصر والمصريين.

بل دعا بعضهم الجيش -ودون استحياء- إلى الاستمرار في حكم مصر، أو على الأقل فرض وصايا على أي حكومة منتخبة قادمة، تجاه ملفات بعينها، بغض النظر عن خطورة مثل هذا المسلك على المصلحة العليا للبلاد والعباد.

الأمر جدّ خطير، يحتاج إلى أن نتنبه كثيرًا لما يراد لهذا البلد، وألا نتجاهل تلك الأشباح التي تتحرك في الظلام، ولا نقلل أيضًا من خطرها ومقدرتها على الفعل.

وهو نذير آخر للإسلاميين لعلهم ينتبهوا إلى كل هذه الجهود التي تطوعت لهم، وتهدف إلى تحجيمهم وإلصاق الجرائم بهم. ولعله من المفيد في هذه المرحلة النظر إلى القضايا الكبرى، خاصة إذا كان يراد لمصر أن تغرق في فوضى ويغرق أبناؤها. ومن المهم أيضًا إيجاد "إطار" أو "منظومة حاكمة" لكل المنتمين إلى الحركة الإسلامية بحيث لا نرى عددًا قليلاً من الأفراد يتحركون من تلقاء أنفسهم بما يورط المجموع.

شاهد ايضا :

الخوف من الإسلاميين (فوبيا الإسلاميين) د. محمد بن صالح العلي