أنت الزائر رقم

ماذا يريد العلمانيون من مصر ؟ خالد الشريف


العلمانية والإسلاماستطاع النظام السابق أن يَسْتَقْطِب النُّخَبَ العلمانية في بلادِنا ويفتح لها كافةَ قنواتِه ومنابرِه الثقافية من أجل مُحاربة التيار الإسلامي، والذي كان يمثِّل رأسَ الحربة في معارضة نظام مبارك وشَحْذِ هِمَم الجميع للاصطفاف لِمُحاربة ما دعاه زورًا وبهتانًا بالإرهاب، وكان هذا النظام نفسه هو صانع الإرهاب الحقيقي.. تلك هي الحقيقة المرة.. أي أنَّ هناك من وضَع يدَه في يد مبارك رغم الاختلاف بينَهُما، لكنَّ الجميعَ اتَّفق على إبادة وإقصاء التيار الإسلامي.. ونحن اليوم لا نريد أن نَنْكَأَ الجراح ونرفض إقصاء الآخر، إنَّما نعجب من أولئك العلمانيين الذي يَستَتِرون بمدنية الدولة ويرتدون ملابس الوعَّاظ والرهبان، وهم ثعالب في الميدان يُروِّعون الناس من الإسلاميين.

ويريدون بعد الثورة أن يَنْفُثُوا سمومَهم كما كانوا يفعلون في السابق يَتبادَلُون الأدوار والأبواق.. وبدايةً نؤكِّد أنَّ التيار الإسلامي بطُولِه وعرضه وجميع اتجاهاته يرفض إقصاء الآخر.. لكن من حقِّه أن يُبَيِّن عوارَ العلمانيين الذين كانوا بالأمس في موضع خيانة وتحالفٍ مع النظام السابق لإقصاء الإسلاميين واستبعادهم من الحياة السياسية والمشهد الإعلامي برُمَّته.. بل واعتقالهم وسحقهم.

واليوم باتَ العلمانيون يُشْعِلون الحرائق حول وضع الدستور الجديد وشرعوا في وضع مبادئ حاكمة "فوق دستورية"، وتَمَّ البدء بالفعل في تشكيل لجانٍ لوضعِ هذه المبادئ فوق الدستورية.

والأمر قد يبدو في ظاهره الرحمة وفي باطنه العذاب؛ فالنُّخَب العلمانية تَدَّعي أنَّ هذه المبادئ فوق الدستورية الغرض منها حماية الحريات العامة والتعددية وسيادة القانون والمساواة.. لكن في الحقيقة الغرض منها تفريغ المادة الثانية من الدستور من مَضْمُونها الحقيقي، وتحويلها إلى إطار بلا مضمونٍ في محاولةٍ فعليةٍ لعَلْمَنة الدولة المصرية ومحو هويتها الإسلامية.

ومصر -رائدة العالم الإسلامي- لا تصْلُح معها هذه العلمانية؛ لأنَّ الإسلام مُتجذِّر فيها، فهؤلاء المتغرِّبون المفتونون بأوربا يجهلون حقيقة علاقة الإسلام بالدولة والسياسة؛ لأنَّ هذه العلاقة كانت قضيةً محسومةً وموضعَ إجماع.. فالإسلام عقيدة وشريعة، وسياسةً وجهادًا وقانونًا وعلى امتداد ثلاثة عشر قرنًا من عمر الحضارة الإسلامية لم يعرف الناس حديثًا عن الفصل بين الدِّين والدولة، إلا مع طلائع الغزو الفكري الغربي لبلادنا في العصر الحديث..

فأوَّل مَن ادَّعَى العلمانية في بلاد الإسلام، ونفَى علاقة الإسلام بالسياسة والدولة هو عليّ عبد الرَّزَّاق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" وذلك في سنة 1925م، ويومَها ثارَت معركة فكرية كبيرة ضدَّ الرجل انْحاز لها مفكرو الأمة؛ إسلاميون ووطنيون من لَدُن سعد زغلول إلى طه حسين.. لكن الجدل يشعله العلمانيون اليوم بعد ثورة 25 يناير مخافةَ تكرار الدولة الكَنَسية التي عَرَفَتْها أوربا، والأمر مختلف تمامًا للدولة التي يَنْشُدُها التيار الإسلامي والتي تُمثِّل نمطًا متميزًا وضعت قيمًا وأخلاقًا وأحكامًا وحدودًا يتحرَّكون في ظلالها، وتركت للناس الحرية كاملة في اختيار الحاكم، وجعلت بينَه وبين الرَّعِيّة عقدًا يُمْكن أن يُفْسَخ في أي وقتٍ، إذا طرأ فساد على العقد، وتركت لهم حرية تدبير شئونهم وحياتهم.

ويكفي أنَّ أوربا تَجَرّعت كأس العلمانية المسمومة حتى أصبح الإنسان في الغرب بلا روح ولا قِيم ولا أخلاق، وتفسَّخت في ظلِّها الروابط الاجتماعية والدينية.. وأصبح الرجل يصاحب خليلات ويُحرّم عليه الزواج، والمرأة لها أصدقاء خارج نطاق الزوجية، وانتشر العقوق والعلاقات المحرَّمة، وأصبح الإنسان في الغرب يشعر كأنَّه آلة بلا روح؛ مما أدَّى لشيوع حالات الانتحار، وهجَر الناس دورَ العبادة والكنائس.

فهل يريد العلمانيون في مصر أن نَجْنِي ثمار علمانِيَّتهم الخبيثة التي بارَت بضاعتها في الغرب، ويتمزَّق هذا المجتمع المُتديّن بفطرتِه، والذي لا يقبل بغير الهويَّة الإسلامية بديلاً؟!

على العلمانيين أن يَلُوذوا بالصمت وألا يفتحوا باب خيانتهم للوطن بتحالُفِهم مع النظام السابق؛ حتى لا يَلفِظهم الناس أكثر من ذلك.. {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا} [النساء: 27] صدق الله العظيم.

المصدر: جريدة اليوم السابع.

شاهد ايضا :