أنت الزائر رقم

ألاعيب العلمانيين المكشوفة لسرقة الشارع

خالد مصطفى
ألاعيب العلمانيين المكشوفة لسرقة الشارعيعيش العلمانيون العرب أزمة كبيرة نتيجة لتضاؤل شعبيتهم وحصول التيار الإسلامي على ثقة الجماهير, الأزمة تزداد حدة كلما اقترب الإسلاميون من الوصول للحكم عن طريق ما يقر العلمانيون أنه "الطريق الشرعي" وهو الانتخابات؛ فعندما اقترب الإسلاميون من الفوز بانتخابات الجزائر عام 1992م نفذ الجيش انقلابًا عسكريًّا، باركه العلمانيون واعتبروه إنقاذًا للبلاد من الوقوع في "براثن الإرهاب"، والآن في تونس بدأ الحديث يكثر حول نية الجيش التخطيط لانقلاب في حال حصول الإسلاميين على الأغلبية في البرلمان القادم، بعد رفع الحظر عنهم عقب ثورة تونس التي أطاحت بحكم بن علي.

العلمانيون لم يكونوا بعيدين يومًا عن مقاعد الحكم الذي وصفوه بعد الثورة بأنه "استبدادي"، فقد كانوا قريبين من السلطة واستفادوا منها كثيرًا، خصوصًا في حربهم على الإسلاميين, وقد اكتسبوا طوال السنوات الماضية مقاعد مؤثرة في أجهزة الإعلام استغلوها في الترويج لأفكارهم ولتكريس مخططات الأنظمة المستبدة الداعية لتخويف الناس من الإسلاميين, وبعد زوال هذه الأنظمة القمعية في بعض البلدان مثل مصر وتونس ازداد الشعور لدى هؤلاء بأنهم سيصبحون خارج دائرة الضوء، فبدءوا بنسج ألاعيبهم المكشوفة..

وقد اتضح ذلك جليًّا في مصر حيث تم الدعوة إلى أكثر من حوار وطني رسمي وغير رسمي، تم تحجيم الإسلاميين تمامًا فيه، وتم دعوة عدد محدود منهم من باب ذر الرماد في الأعين, وفي أحد هذه الحوارات تم تأسيس (مجلس وطني) غالبيته من اليساريين أصحاب العداوة المعروفة مع الإسلاميين، والذين يعارضون بشدة تطبيق الشريعة والحفاظ على هوية البلدان الإسلامية..

وفي الحوار الوطني الرسمي الذي دعت إليه الحكومة برئاسة الدكتور عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء الأسبق توصَّل الحوار في النهاية إلى المطالبة بتأجيل الانتخابات البرلمانية بدعوى عدم استقرار البلاد، والحقيقة أن الخوف من سيطرة الإسلاميين على البرلمان أصابت العلمانيين بالفزع، وذلك منذ الاستفتاء على التعديلات الدستورية، والتي هاجم العلمانيون فيها بشراسة الاتجاهات المؤيدة للتعديلات ووصفوها بالتخلف، وطالب بعضهم ببقاء المجلس العسكري في الحكم لثلاث سنوات، وهم الذين يدَّعُون السعي من أجل الحكم المدني والحرية، ولكن دائمًا ينسون أن يضيفوا لديمقراطيتهم المزيفة عبارة (بشرط عدم وصول الإسلاميين للحكم).. الألاعيب مستمرة بشكل استفزازي؛ لمحاولة الوصول للحكم عن طريق سرقة الشارع بأي وسيلة مشروعة أو غير مشروعة.

ومن هذه الألاعيب المواجهات الطائفية التي اندلعت مؤخرًا وتورط فيها بسذاجة بعض السلفيين؛ ليتم وضعهم في الواجهة وشنّ المزيد من الهجوم عليهم... في المعالجة الإعلامية لهذه الأحداث تم تجاهل الاستفزاز الذي قامت به الكنيسة طول السنوات الماضية من اختطاف للمسلمات الجدد ومن ممارسة ضغوط سياسية على أصحاب القرار مستندة إلى الغطاء الخارجي, وتم التركيز على موقف بعض السلفيين وبعض التصريحات من هنا أو هناك. لقد قام بعض الأقباط عقب أحداث إمبابة بقطع الطرق والاعتداء على المارَّة وضربوا فتاة محجبة بمطواة، ومع ذلك لم نسمع إدانات واستنكارات لهذا التطرف القبطي، في حين ما زال العرض مستمرًّا بشأن "البعبع السلفي".

من ذلك أيضًا ما تم تسريبه عن قَطْع المشاهد العارية من الأفلام التي يبثها التليفزيون الرسمي بمصر، حيث شن العلمانيون هجومًا على حرية الفكر والإبداع التي جاءت الثورة لكي تؤكد عليهما! وطبعًا الخبر فبركة علمانية في محاولة لمعرفة نوايا القائمين على التليفزيون المصري -والذي يعتبر الموجِّه الأول للجماهير- خصوصًا بعد سماح المسئولين بظهور المذيعات المحجبات، فأراد العلمانيون أن يوجهوا لهم رسالة تحذيرية ويضعوهم في موقف المدافع، وإلاّ تُوجَّه لهم تهمة "الخيانة العظمى"، وهي التحالف مع "الإسلاميين الصهاينة" الذين يريدون للمجتمع الفضيلة بعيدًا عن القبلات والرقص والعري!! الرسالة وصلت بطبيعة الحال، وأكد المسئول عن التليفزيون أنه لم يتم حذف أي مشاهد من "الأعمال الفنية" بعد الثورة! هذا هو المطلوب وقد وصلوا إليه، وتمكنوا من وضع التليفزيون في جيوبهم مؤقتًا حتى تنتهي بقية حروبهم لإقصاء الإسلاميين من المشهد العام.

يدخل ضمن هذه الألاعيب أيضًا موضوع الانتخابات بالقائمة النسبية؛ حتى لا يتمكن الإسلاميون من السيطرة على مقاعد البرلمان، مدعين أن ذلك سيمنع عناصر الحزب الوطني السابق من الوصول إلى البرلمان، والحقيقة أن الذي يريد حقًّا أن يمنع بلطجيَّة الوطني من الوصول للبرلمان يدعو ويكافح من أجل سنّ قانون يمنع ذلك، كما يكافح الآن من أجل تأجيل الانتخابات. أما مسألة القائمة النسبية فهي بعيدة تمامًا عن معاني "الديمقراطية" التي يدعون إليها؛ لأن من حق كل مواطن أن يختار الشخص والبرنامج معًا وليس البرنامج فقط، فكم من لافتات كبيرة يرفعها أناس لا صلة لهم بها!

الحرب الآن على أشدها وليس موضوع "الفتنة الطائفية" إلا أحد أساليبها، وعلى الإسلاميين أن يفطنوا لذلك، فكل يومٍ سيُخرِجون لهم كاميليا وعبير جديدة؛ لإلهائهم عن الهدف الأكبر الذي يخطط العلمانيون للوصول له وهو الحكم, رغم استنكارهم ذلك على الإسلاميين.

المصدر: موقع المسلم.

شاهد ايضا :

أبعاد مؤامرة إقصاء الإسلاميين في مصر .. علي عبد العال

أبعاد مؤامرة إقصاء الإسلاميين في مصر .. علي عبد العال


الإسلاميين في مصريبدو أن مصر مقبلة داخليًّا على ما يشبه المؤامرة والانقلاب الكبير على الأوضاع للحيلولة دون تحقيق الاستقرار فيها، أو وصول هذه الثورة الشعبية إلى بر الأمان.

تحاك خيوط هذه المؤامرة بأبعاد مختلفة، داخلية وخارجية، من خلال خلق حالة من التحالفات بين تجمعات سياسية وأمنية واقتصادية وإعلامية في الداخل، وقوى دولية متنفذة لها خيوط تسعى إلى تحريكها في الداخل أيضًا. كل ذلك بهدف توحيد هذه القوى مجتمعة خلف هدف واحد متمثل في إقصاء الإسلاميين، أو على الأقل تحجيمهم انتخابيًّا وسياسيًّا وربما مجتمعيًّا، بكل السبل المشروعة وغير المشروعة.

ويمكن الوقوف على حقيقة مثل هذا الاستنتاج من خلال الربط بين عدد من الأخبار والأحداث التي تناقلتها الصحف ووسائل الإعلام خلال الأيام القليلة الماضية:

- فقد عقدت لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأمريكي في 13 إبريل 2011م جلسة حول الانتخابات المصرية القادمة والحكومة التي قد تنشأ عنها. استمعت فيها إلى توصيات "روبرت ساتلوف" مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، المؤسسة الفكرية للوبي الصهيوني. فأوصى ساتلوف الإدارة الأمريكية بأن تقوم مواقفها العلنية على تحذير المصريين من أنها ستقبل فقط التعامل مع حكومة لها مواصفات معينة، من أهمها: السلام مع إسرائيل، والشراكة الثنائية مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وإفريقيا والبحر المتوسط. كما حث ساتلوف واشنطن على ممارسة الضغط على المجلس العسكري الحاكم في مصر؛ لثنيه عن تمرير قوانين انتخابية قد تسمح بوصول الإسلاميين إلى حكم البلاد.

- وفي مقاله بصحيفة "الشروق" 14 مايو 2011م حكى الكاتب فهمي هويدي كواليس دعوة وجهتها الخارجية الفرنسية إلى ستة من شباب التجمعات السياسية المصرية لحضور ندوة في باريس 14 و15 إبريل الماضي. وكان من بين الشباب اثنان أحدهما يمثل الإخوان المسلمين، والثاني عن حزب الوسط. وقبل الندوة تمت دعوة ثلاثة من الشبان من جانب حزب الرئيس ساركوزي، فكان ممثل حزب الوسط أحد الثلاثة، في حين استبعد ممثل الإخوان.

وخلال الجولة الحزبية التقى الشبان الثلاثة كوادر الحزب الفرنسي الحاكم، وفي المقدمة منهم شخصيتان مهمتان، إحداهما "فالارى هوتنبرج" وهي يهودية تعمل سكرتيرة للرئيس ساركوزى لشئون العلاقات العامة والأحزاب، و"جان فرانسوا كوبيه" الأمين العام للحزب. تطرق الحديث إلى استعداد الحكومة الفرنسية لتقديم مختلف صور الدعم للقوى السياسية المصرية التي ظهرت أثناء الثورة. وعبر كل من فالارى وكوبيه عن رغبة فرنسا في التعاون مع الأطراف التي تتبنى عددًا من القضايا الأساسية هي: علمانية الدولة المصرية، وتأييد معاهدة كامب ديفيد، والدفاع عن السلام مع إسرائيل، ومعارضة حركة حماس، والدفاع عن الرئيس السابق حسنى مبارك ورفض تقديمه إلى المحاكمة، والاصطفاف إلى جانب التيارات السياسية التي تعادي الإخوان المسلمين؛ لإضعاف حضورها في المستقبل السياسي لمصر.

وحين جادلهم ممثل حزب الوسط معارضًا أطروحاتهم، ألغوا زيارة كان مقررًا أن يقوم بها الثلاثة للبرلمان الفرنسي، ورتبوا لهم جولة في متحف الهولوكوست، الذي يخلد قتلى اليهود الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية.

ما سبق يمكن طرحه باعتباره صورًا من تدخلات الخارج، المخفي عنا منها دائمًا أعظم بكثير مما نعرف، وهي جهود لا يمكن التقليل من حجمها ولا أثرها، وهي أيضًا جهود لا تتوقف ومتوافقة إلى حد كبير مع ترتيبات لا يمكن إغفالها تجري في الداخل.

- ففي مقال له تحت عنوان "بلاغ للمجلس الأعلى للقوات المسلحة" كشف الكاتب المصري د. محمد عباس عن مؤامرة يحيك خيوطها جهاز أمن الدولة المنحل؛ من خلال استغلال أفراده ومنتسبيه السابقين وهم يتخفون في الصورة المعروفة عن السلفيين، من اللحية وارتداء القميص الأبيض، وقيامهم بأعمال تخريبية بهدف تشويه سمعة السلفيين، وإثارة الرأي العام ضدهم، وإدخال البلاد في حالة من الفوضى تحول دون استكمال الإصلاحات وتحقيق نتائج الثورة؛ الأمر الذي ينذر بـ"كوارث مروعة توشك أن تحدث" على حد وصف الكاتب.

- على الصعيد السياسي والحزبي تشهد الساحة المصرية تشكل عدد من التحالفات بين قوى وأحزاب مناوئة للإسلاميين؛ ففي (10 مايو 2011م) جرى الإعلان عن تشكيل "جبهة القوى الاشتراكية" مكونة من خمسة أحزاب يسارية هي: التحالف الشعبي الاشتراكي، والحزب الاشتراكي المصـري، والحزب الشيوعي المصري، والاشـتراكـيين الثــوريين، وحزب العمـال الديمقراطي. وجاء على رأس الأهداف المعلنة التي تضمنها البيان التأسيسي أن الجبهة تهدف إلى مواجهة ما وصف بـ"الاتجاهات المتطرفة والرجعية"، وترفض تحوُّل مصر إلى دولة يمثل "الدين" مرجعيتها.

- وفي 14 مايو جرى ما يشبه التحالف بين 4 أحزاب علمانية هي: المصري الديمقراطي، وحزب المصريين الأحرار، وحزب الجبهة الديمقراطية، وحزب العدل. بعدما عقد هؤلاء أول مؤتمر لهم بفندق "شبرد" تحت عنوان "أول مناظرة حزبية في مصر" إلا أن من حضر المؤتمر رأوا فيه ائتلافًا واضحًا بين هذه الأحزاب لمواجهة الإسلاميين، حيث جرى التعريف ببرنامج كل حزب وأهدافه ومبادئه الأساسية، ودعا المتحدثون عن الأحزاب إلى تأجيل الانتخابات المقررة في سبتمبر القادم، وطالب ممثلو حزب العدل بتنظيم مسيرة مليونية في ميدان التحرير للمطالبة بتأجيلها.

- وفي الإطار نفسه جرى تشكيل ائتلاف من عدد من الناشطين الأقباط تحت اسم "أقباط من أجل الانتخابات" يسعى للعب دور سياسي تحت شعار "حبًّا في المسيح وخوفًا على الأقباط"، وترشيح مائة قبطي في انتخابات مجلس الشعب، وفي تصريح له قال الناشط القبطي مجدي تادرس: إن الأقباط قرروا المشاركة كلاعب أساسي، ولن يتركوا الساحة أمام "الإخوان المسلمين".

كل ذلك يجري إلى جانب نشاط غير عادي من قبل عدد من أصحاب المال ورجال الأعمال لتمويل كل ما يمكن أن يساهم في تحجيم الإسلاميين سياسيًّا وحزبيًّا، والحد من شعبيتهم في الشارع.

ما سبق يعطي ملامح قوية على أننا بالفعل أمام مؤامرة متعددة الخيوط والأطراف، القاسم المشترك بين كل أطرافها متمثل في إقصاء قوى بعينها عن المشهد السياسي، وبذل كل ما يمكن للحيلولة دون فوزها بأي استحقاق انتخابي قادم. ولو اقتضى الأمر مخاطبة المجلس العسكري بكل اللغات التي يفهمها من أجل تأجيل هذه الانتخابات، ولو أضرت أيدي مصرية بأمن مصر والمصريين.

بل دعا بعضهم الجيش -ودون استحياء- إلى الاستمرار في حكم مصر، أو على الأقل فرض وصايا على أي حكومة منتخبة قادمة، تجاه ملفات بعينها، بغض النظر عن خطورة مثل هذا المسلك على المصلحة العليا للبلاد والعباد.

الأمر جدّ خطير، يحتاج إلى أن نتنبه كثيرًا لما يراد لهذا البلد، وألا نتجاهل تلك الأشباح التي تتحرك في الظلام، ولا نقلل أيضًا من خطرها ومقدرتها على الفعل.

وهو نذير آخر للإسلاميين لعلهم ينتبهوا إلى كل هذه الجهود التي تطوعت لهم، وتهدف إلى تحجيمهم وإلصاق الجرائم بهم. ولعله من المفيد في هذه المرحلة النظر إلى القضايا الكبرى، خاصة إذا كان يراد لمصر أن تغرق في فوضى ويغرق أبناؤها. ومن المهم أيضًا إيجاد "إطار" أو "منظومة حاكمة" لكل المنتمين إلى الحركة الإسلامية بحيث لا نرى عددًا قليلاً من الأفراد يتحركون من تلقاء أنفسهم بما يورط المجموع.

شاهد ايضا :

الخوف من الإسلاميين (فوبيا الإسلاميين) د. محمد بن صالح العلي

الخوف من الإسلاميين (فوبيا الإسلاميين) د. محمد بن صالح العلي

د. محمد بن صالح العلي
الخوف من الإسلاميين, فوبيا الإسلاميينيتفق المراقبون للأحداث على أن الثورات العربية، والتي كان من نتائجها سقوط بعض الأنظمة كنظام تونس ومصر سيكون لها عدة آثار في المجتمعات العربية، ونحاول في هذا المقال أن نرصد ظاهرة بدأت تتشكل في تلك المجتمعات هي ظاهرة "الفوبيا" من الإسلاميين.

لماذا انتقل (الإسلام فوبيا) إلى المجتمعات العربية؟ وما الذي يجعل الخوف من الإسلاميين هاجسًا ينغّص على الثورات التي تقوم في العالم العربي؟

فالخوف في ثورة تونس كان من صعود التيار الإسلامي، وهناك خوف في مصر من تحركات جماعة الإخوان المسلمين بأن يغيروا وجه الدولة المدني... يمر التونسيون والمصريون بنفس مرحلة الخوف من الإسلاميين؛ ففي مصر خرج عبود الزمر من سجنه بعد أكثر من 30 عامًا، وفي تونس عاد الشيخ راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة الإسلامية إلى تونس بعد غياب في لندن تجاوز عشرين عامًا. وغني عن التوضيح بأن هذا الخوف ليس لدى جميع الأطياف الفكرية، وإنما من بعض الأطياف المعادية للتيار الإسلامي كالعلمانيين والليبراليين واليساريين.

ومع نجاح ثورتي تونس ومصر، صار الحديث عن مخاوف هؤلاء من وصول الإسلاميين إلى السلطة من الواقع بمكان، بعدما أطلقوا العنان لمخاوفهم وتحذيراتهم بأن القوى السياسية ذات المرجعية الإسلامية على مداخل القصور الرئاسية، وكأنهم أرادوا للشعب العربي أن يكون مستحقًّا عليه من وجهة نظرهم؛ إما أن يكون أسيرًا للأنظمة التسلطية المستبدة، أو خاضعًا لاتجاهات علمانية بالية وليبرالية مهترئة ويسارية بائدة.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا الخطاب، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه، أليس الإسلاميون هم الذين ذاقوا مرارة حكم الاستبداد بالدول التي اندلعت بها الثورات أخيرًا مثل مصر وتونس وليبيا، وجنوا مرارة السجون والاعتقالات والأحكام العسكرية المشددة، إضافة إلى القيود العديدة التي فرضت عليهم، وذلك على مدى عقود عدة، فيما لم يجن العلمانيون واليساريون سوى التقرُّب من الأنظمة الحاكمة وتولي الوظائف؟!!

يعبّر أولئك عن تخوفاتهم بعدة أساليب، فهذا أحد العلمانيين التونسيين يقول: "رغم أن خطاب الغنوشي يبدو مطمئنًا إلا أن هناك حالة من الخوف من كل ما هو إسلامي خاصة؛ بسبب الخوف من المتطرفين المستترين خلف التيار الإسلامي المعتدل الذي قد يمثله الشيخ الغنوشى"، ويضيف: "هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن النخبة المثقفة تعلن بشكل واضح تخوفها من الإسلاميين".

وفي مقال بعنوان (هل ستصبح مصر مدنية أم إسلامية؟) لكاتب قبطي يقول فيه: "ويبقى السؤال أين تتجه مصر؟ هل يعود النظام السابق بوجوه مختلفة، أم يسيطر الإسلاميون لتصبح مصر كإيران أم تتحول لدولة مدنية فتنهض وتتقدم وتعوض السنين التي أكلها الجراد؟ هذا ما سوف تجيب عنه الشهور القليلة القادمة".

هكذا يبدي العلمانيون تخوفهم من المد الإسلامي، ويعتبرون أن هذا المد خطر عليهم، وبعيدًا عن الخوف من الإسلاميين فإن الشارع التونسي والمصري يشهدان زخمًا سياسيًّا كبيرًا وحركة سياسية أكبر؛ حيث تمت الموافقة مؤخرًا -وبعد الثورة- على الاعتراف بالإسلاميين وبحقهم في العمل السياسي والحزبي.

وهنا تساؤلات تفرض نفسها: ألا يشكل التيار الإسلامي جزءًا من الشعب العربي؟! أليس من حق الإسلاميين أن يخوضوا الانتخابات ويعرضوا مشروعهم؟! لماذا يسمح للعلماني والليبرالي والشيوعي واليساري والقومي أن يشكل حزبًا سياسيًّا فيعطى الفرصة لخوض الانتخابات، ويمنع منها الإسلاميون؟!! إن هذا يذكرنا بقول شوقي:
أحـرامٌ على بلابلـه الدوح *** حلالٌ للطير من كل جنـس

لماذا كل هذا الخوف من الإسلاميين؟! لماذا لا ندع الشعب يختار من يحكمه؟! لماذا هذه الوصاية على الشعوب؟!

تساؤلات نطلب من إخواننا العلمانيين والليبراليين واليساريين أن يجيبوا عليها!!

المصدر: موقع لجينيات.

شاهد ايضا : 

العلمانية ..ما هي؟ وماذا تريد ؟ وموقف الإسلام منها

العلمانية ..ما هي؟ وماذا تريد ؟ وموقف الإسلام منها


تعريف العلمانية:

العلمانيةالعلمانية وترجمتها الصحيحة: اللادينية أو الدنيوية، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة بعيدًا عن الدين وتعني في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة بعيدًا عن الدين وتعني في جانبها بالذات اللادينية في الحكم، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم..
وقد ظهرت في أوربا منذ القرن السابع عشر وانتقلت إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر وانتقلت بشكل أساسي إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا ثم تونس ولحقتها العراق في نهاية القرن التاسع عشر. أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين، وقد اختيرت كلمه علمانية لأنها أقل إثارة من كلمة لادينية.
ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع وإبقاءه حبيسًا في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه فان سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما.
تتفق العلمانية مع الديانة النصرانية في فصل الدين عن الدولة حيث لقيصر سلطة الدولة ولله سلطة الكنيسة وهذا واضح فيما ينسب للسيد المسيح من قوله: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله", أما الإسلام فلا يعرف هذه الثنائية والمسلم كله لله وحياته كلها لله {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].

تأسيس العلمانية وأبرز الشخصيات :

انتشرت هذه الدعوة في أوربا وعمت أقطار العالم بحكم النفوذ الغربي والتغلغل الشيوعي, وقد أدت ظروف كثيرة قبل الثورة الفرنسية سنة 1789م وبعدها إلى انتشارها الواسع وتبلور منهجها وأفكارها وقد تطورت الأحداث وفق الترتيب التالي:
- تحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ومستبدين تحت ستار الإكليروس والرهبانية والعشاء الرباني وبيع صكوك الغفران.
- وقوف الكنيسة ضد العلم وهيمنتها على الفكر وتشكيله لمحاكم التفتيش واتهام العلماء بالهرطقة، مثل:
1- كوبرنيكوس: نشر عام 1543م كتاب حركات الأجرام السماوية وقد حرمت الكنيسة هذا الكتاب.
2- جرادانو: صنع التلسكوب فعذب عذابًا شديدًا وعمره سبعون سنة وتوفي سنة 1642م.
3- سبينوزا: صاحب مدرسة النقد التاريخي وقد كان مصيره الموت مسلولاً.
4- جون لوك: طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض.
ظهور مبدأ العقل والطبيعة: فقد أخذ العلمانيون يدعون إلى تحرر العقل وإضفاء صفات الإله على الطبيعة.
- الثورة الفرنسية: نتيجة لهذا الصراع بين الكنيسة وبين الحركة الجديدة من جهة أخرى، كانت ولادة الحكومة الفرنسية سنة 1789م وهي أول حكومة لا دينية تحكم باسم الشعب, وهناك من يرى أن الماسون استغلوا أخطاء الكنيسة والحكومة الفرنسية وركبوا موجة الثورة لتحقيق ما يمكن تحقيقه من أهدافهم.
- جان جاك روسو سنة 1778م له كتاب العقد الاجتماعي الذي يعد إنجيل الثورة، مونتسكيو له روح القوانين, سبينوزا ( يهودي) يعتبر رائد العلمانية باعتبارها منهجًا للحياة والسلوك وله رسالة في اللاهوت والسياسة، فولتير صاحب القانون الطبيعي كانت له الدين في حدود العقل وحده سنة 1804م، وليم جودين 1793م له العدالة السياسية ودعوته فيه دعوة علمانية صريحة.
- ميرابو: الذي يعد خطيب وزعيم وفيلسوف الثورة الفرنسية.
- سارت الجموع الغوغائية لهدم الباستيل وشعارها الخبز ثم تحول شعارها إلى (الحرية والمساواة والإخاء) وهو شعار ماسوني و(لتسقط الرجعية) وهي كلمة ملتوية تعني الدين, وقد تغلغل اليهود بهذا الشعار لكسر الحواجز بينهم وبين أجهزة الدولة وإذابة الفوارق الدينية, وتحولت الثورة من ثورة على مظالم رجال الدين إلى ثورة على الدين نفسه.
- نظرية التطور: ظهر كتاب أصل الأنواع سنة 1859م لتشارلز دارون الذي يركز على قانون الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب وقد جعلت الجد الحقيقي للإنسان جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين، والقرد مرحلة من مراحل التطور التي كان الإنسان آخرها.
وهذا النظرية التي أدت إلى انهيار العقيدة الدينية ونشر الإلحاد وقد استغل اليهود هذه النظرية بدهاء وخبث.
- ظهور نيتشه: وفلسفته التي تزعم بأن الإله قد مات وأن الإنسان الأعلى (السوبر مان) ينبغي أن يحل محله.
- دور كايم (اليهودي): جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظرية العقل الجمعي.
- فرويد (اليهودي): اعتمد الدافع الجنسي مفسرًا لكل الظواهر, والإنسان في نظره حيوان جنسي.
- كارل ماركس (اليهودي): صاحب التفسير المادي للتاريخ الذي يؤمن بالتطور الحتمي وهو داعية الشيوعية ومؤسسها والذي اعتبر الدين أفيون الشعوب.
- جان بول سارتر: في الوجودية وكولن ولسون في اللامنتمي: يدعوان إلى الوجودية والإلحاد.

الاتجاهات العلمانية في العالم الإسلامي نذكر نماذج منها :

1- في مصر: دخلت العلمانية مصر مع حملة نابليون بونابرت, وقد أشار إليها الجبرتي في الجزء المخصص للحملة الفرنسية على مصر وأحداثها بعبارات تدور حول معنى العلمانية وإن لم تذكر اللفظة صراحة, أما أول من استخدم هذا المصطلح العلمانية فهو نصراني يدعى إلياس بقطر في معجم عربي فرنسي من تأليفه سنة 1827م, وأدخل الخديوي إسماعيل القانون الفرنسي سنة 1883م، وكان هذا الخديوي مفتونًا بالغرب، وكان أمله أن يجعل من مصر قطعة من أوربا.
2- الهند: حتى سنة 1791م كانت الأحكام وفق الشريعة الإسلامية ثم بدأ التدرج من هذا التاريخ لإلغاء الشريعة الإسلامية بتدبير الإنجليز وانتهت تمامًا في أواسط القرن التاسع عشر.
3- الجزائر: إلغاء الشريعة الإسلامية عقب الاحتلال الفرنسي سنة 1830م.
4- تونس: أدخل القانون الفرنسي فيها سنة 1906م.
5– المغرب: أدخل القانون الفرنسي فيها سنة 1913م.
6- تركيا لبست ثوب العلمانية عقب إلغاء الخلافة واستقرار الأمور تحت سيطرة مصطفى كمال أتاتورك، وإن كانت قد وجدت هناك إرهاصات ومقدمات سابقة.
7- العراق والشام: ألغيت الشريعة أيام إلغاء الخلافة العثمانية وتم تثبيت أقدام الإنجليز والفرنسيين فيها.
8- معظم إفريقيا: فيها حكومات نصرانية امتلكت السلطة بعد رحيل الاستعمار.
9- إندونيسيا ومعظم بلاد جنوب شرق آسيا دول علمانية.
10- انتشار الأحزاب العلمانية والنزاعات القومية: حزب البعث، الحزب القومي السوري، النزعة الفرعونية، النزعة الطورانية، القومية العربية.
11- من أشهر دعاة العلمانية في العالم العربي الإسلامي: أحمد لطفي السيد، إسماعيل مظهر، قاسم أمين، طه حسين، عبد العزيز فهمي، ميشيل عفلق، أنطوان سعادة، سوكارنو، سوهارتو، نهرو، مصطفى كمال أتاتورك، جمال عبد الناصر، أنور السادات (صاحب شعار: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين)، د. فؤاد زكريا، د. فرج فودة وقد اغتيل بالقاهرة مؤخرًا، وغيرهم.

العلمانية أفكار ومعتقدات :

- بعض العلمانيين ينكر وجود الله أصلاً.
- وبعضهم يؤمنون بوجود الله لكنهم يعتقدون بعدم وجود أية علاقة بين الله وبين حياة الإنسان.
- الحياة تقوم على أساس العلم المطلق وتحت سلطان العقل والتجريب.
- إقامة حاجز بين عالمي الروح والمادة والقيم الروحية لديهم قيم سلبية.
- فصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي.
- تطبيق مبدأ النفعية على كل شيء في الحياة.
- اعتماد مبدأ الميكافيلية في فلسفة الحكم والسياسية والأخلاق.
- نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية وتهديم كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية.
أما معتقدات العلمانية في العالم الإسلامي والعربي التي انتشرت بفضل الاستعمار والتبشير فهي:
- الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة.
- الزعم بأن الإسلام استنفذ أغراضه وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية.
- الزعم بأن الفقه الإسلامي مأخوذ عن القانون الروماني.
-الوهم بأن الإسلام لا يتلائم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف.
- الدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي.
- تشويه الحضارة الإسلامية وتضخيم حجم الحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي, والزعم بأنها حركات إصلاح.
- إحياء الحضارات القديمة.
- اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية عن الغرب ومحاكاته فيها.
- تربية الأجيال تربية لادينية.
إذا كان هناك عذر لوجود العلمانية في الغرب, فليس هناك أي عذر لوجودها في بلاد المسلمين؛ لأن النصراني إذا حكمه قانون مدني وضعي لا ينزعج كثيرًا ولا قليلاً؛ لأنه لا يعطل قانونًا فرضه عليه دينه وليس في دينه ما يعتبر منهجًا للحياة، أما مع المسلم فالأمر مختلف حيث يوجب عليه إيمانه الاحتكام لشرع الله.
ومن ناحية أخرى كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي فإنه إذا انفصلت الدولة عن الدين بقي الدين النصراني قائمًا في ظل سلطته القوية الفتية المتمكنة وبقيت جيوش من الراهبين والراهبات والمبشرين والمبشرات تعمل في مجالاتها المختلفة دون أن يكون للدولة عليهم سلطان بخلاف ما لو فعلت ذلك دولة إسلامية فإن النتيجة أن يبقى الدين بغير سلطان يؤيده ولا قوة تسنده, حيث لا بابوية ولا كهنوت ولا إكليروس, وصدق الخليفة الثالث عثمان بن عفان t حين قال: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

العلمانية جذور فكرية وعقائدية :

العداء المطلق للكنيسة أولاً وللدين ثانيًا أيًّا كان، سواء وقف إلى جانب العلم أم عاداه.
لليهود دور بارز في ترسيخ العلمانية من أجل إزالة الحاجز الديني الذي يقف أمام اليهود حائلاً بينهم وبين أمم الأرض.
يقول ألفرد هوايت هيو: "ما من مسالة ناقض العلم فيها الدين إلا وكان الصواب بجانب العلم والخطأ حليف الدين", وهذا القول إن صح بين العلم واللاهوت في أوربا, فهو قول مردود ولا يصح بحال فيما يخص الإسلام, حيث لا تعارض إطلاقًا بين الإسلام وبين حقائق العلم، ولم يقم بينها أي صراع كما حدث في النصرانية.
وقد نقل عن أحد الصحابة قوله عن الإسلام: "ما أمر بشيء، فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء, فقال العقل: ليته أمر به", وهذا القول تصدقه الحقائق العلمية والموضوعية وقد أذعن لذلك صفوة من علماء الغرب وأفصحوا عن إعجابهم وتصديقهم لتلك الحقيقة في مئات النصوص الصادرة عنهم.
- تعميم نظرية (العداء بين العلم من جهة والدين من جهة) لتشمل الدين الإسلامي, على الرغم أن الدين الإسلامي لم يقف موقف الكنيسة ضد الحياة والعلم حتى كان الإسلام سباقًا إلى تطبيق المنهج التجريبي ونشر العلوم.
- إنكار الآخرة وعدم العمل لها واليقين بأن الحياة الدنيا هي المجال الوحيد.

لماذا يرفض الإسلام العلمانية؟ :

- لأنها تغفل طبيعة الإنسان البشرية باعتبارها مكونة من نفس وروح فتهتم بمطالب جسمه ولا تلقي اعتبارًا لأشواق روحه.
- لأنها نبتت في البيئة الغربية وفقًا لظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية وتعتبر فكرًا غريبًا في بيئتنا الشرقية.
- لأنها تفصل الدين عن الدولة فتفتح المجال للفردية والطبقية والعنصرية والمذهبية والقومية والحزبية والطائفية.
- لأنها تفسح المجال لانتشار الإلحاد وعدم الانتماء والاغتراب والتفسخ والفساد والانحلال.
- لأنها تجعلنا نفكر بعقلية الغرب، فلا ندين العلاقات الحرة بين الجنسين وندوس على أخلاقيات المجتمع ونفتح الأبواب على مصراعيها للممارسات الدنيئة, وتبيح الربا وتعلي من قدر الفن للفن, ويسعى كل إنسان لإسعاد نفسه ولو على حساب غيره.
- لأنها تنقل إلينا أمراض المجتمع الغربي من إنكار الحساب في اليوم الآخر, ومن ثم تسعى لأن يعيش الإنسان حياة متقلبة منطلقة من قيد الوازع الديني، مهيجة الغرائز الدنيوية كالطمع والمنفعة وتنازع البقاء ويصبح صوت الضمير عدمًا.
- مع ظهور العلمانية يتم تكريس التعليم لدراسة ظواهر الحياة الخاضعة للتجريب والمشاهدة وتهمل أمور الغيب من إيمان بالله والبعث والثواب والعقاب, وينشأ بذلك مجتمع غايته متاع الحياة وكل لهو رخيص.

العلمانية ومواقع النفوذ :

بدأت العلمانية في أوربا وصار لها وجود سياسي مع ميلاد الثورة الفرنسية سنة 1789م, وقد عمت أوربا في القرن التاسع عشر وانتقلت لتشمل معظم دول العالم في السياسة والحكم في القرن العشرين بتأثير الاستعمار والتبشير.

يتضح مما سبق :

إن العلمانية دعوة إلى إقامة الحياة على أسس العلم الوضعي والعقل بعيدًا عن الدين الذي يتم فصله عن الدولة وحياة المجتمع وحبسه في ضمير الفرد ولا يصرح بالتعبير عنه إلا في أضيق الحدود.
وعلى ذلك فإن الذي يؤمن بالعلمانية بديلاً عن الدين ولا يقبل تحكيم الشرعية الإسلامية في كل جوانب الحياة ولا يحرم ما حرم الله يعتبر مرتدًا ولا ينتمي إلى الإسلام.
والواجب إقامة الحجة عليه واستتابته حتى يدخل في حظيرة الإسلام وإلا جرت عليه أحكام المرتدين المارقين في الحياة وبعد الوفاة.
المصدر: موقع صيد الفوائد.

شاهد ايضا :

هل نرضى عن الإسلام بديلا ؟ د. محمد سعيد حوى

هل نرضى عن الإسلام بديلا ؟ د. محمد سعيد حوى

د. محمد سعيد حوى
رضينا بالإسلام دينا تعيش الأمة مخاضًا كبيرًا، ولا بد للمخاض من آلام، وتتنوع المشكلات والتحديات والعقبات.

ومع كثرة التضحيات والآلام؛ فإن مما يزيدنا ألمًا بعض الطروحات الفكرية والسياسية المرافقة لهذه المخاضات والتحديات.

ففي الوقت الذي يتحرك فيه عامة الشعوب العربية بمسيراتها ومظاهراتها، ومعظم تحركاتها منطلقة من المساجد، وتؤدي الجموع الغفيرة الصلوات جامعة في الميادين والساحات..

وفي الوقت الذي تنطلق حناجر معظم الثائرين والمطالبين بالتغيير بصيحات: الله أكبر..

وفي الوقت الذي تعلن فيه أنها قدّمت أرواحها في سبيل الله، قائلة: الشهيد حبيب الله..

وفي الوقت الذي يعلنون مقصد ثورتهم بوضوح: هي لله.. هي لله..

وحيث الشعوب في معظمها مسلمة متدينة مؤمنة..

.. في هذا الوقت تخرج علينا الأبواق الإعلامية العلمانية بالتركيز على تحييد الدين، بل وإبعاده من ساحة الصراع، مستغلين أن الشعوب قد رفعت شعار الحرية والكرامة؛ لأنها القضية الأكثر مساسًا وحساسية وألمًا؛ ولأن فقدها سبب كل مأساة.

بل وأكثر من ذلك يأتي من يطالب بالحريات، ثم يحجر على المسلمين أن يطالبوا بالإسلام، وأن يطالبوا بحريتهم في اختيار نظام الإسلام، فيقول صراحة وبكل وضوح: حرية نعم، لكن لا مجال للإسلام السياسي أبدًا.

يأتي ويصرح بوضوح: لا إقصاء لأحد، بل مشاركة من الجميع. لكن نعم لإقصاء الإسلام بعيدًا، بدعوى أن الدين لله والوطن للجميع.

بل ويأتي من يصرح صراحة: لا مجال عندنا لأن نتكلم عن دولة مدنية بمرجعية إسلامية، أي كل القوانين والقيم لا بد أن تكون مستمدة من القوانين الوضعية الأرضية البشرية.

ويزداد الأمر مأساوية عندما تجد من يريد أن يسلخنا عن عروبتنا وإسلامنا معًا؛ لنرضي فئة ما, بل ويصرح بعضهم: المشكلة في الإسلام والإسلاميين، والمشكلة في الشيوخ.

لماذا المشكلة في الشيوخ؟

يقولون: الشيوخ دائمًا يقفون مع السلطان. والشيوخ = السلفية = التخلف...

أمام هذه الطروحات كلها وغيرها، نشعر أننا سندخل في دوامة جديدة مريرة جدًّا جدًّا, وأمام شدةِ الابتلاء الآن وقسوةِ الطغاة وحرصِ الإسلاميين والعلماء على تجاوز المرحلة، يدعو كثيرون إلى السكوت عن قضية الإسلام وحاكمية الإسلام.

ويدعو كثيرون إلى الاكتفاء بالقول: إننا نريد دولة مدنية ديمقراطية ذات أحزاب متعددة، مقابل إصرار آخرين على دولة علمانية لا تمت إلى لغة شعوبنا وتراثهم وثقافتهم وقيمهم بصلة.

ويقدم كثير من الإسلاميين تنازلات في شأن المرأة، والحاكم، والأحزاب، والديمقراطية، والمواطنة... ومع ذلك يقول لهم العلمانيون: لن نرضى عنكم. مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

ويدعو كثيرون للوقوف إلى جانب الحرية وحسب، على اعتبار أن الحرية والكرامة قاسم مشترك؛ لأنه إذا تحررت الشعوب ستقود نفسها بنفسها إلى الإسلام.

وهنا ستتركز المناقشات بعد توصيف المشكلة بشكل موجز ومحدد في نقاط:

1- إنه أمام هذه الطروحات فإن الخوف كل الخوف أن نخرج من دكتاتورية المستبد الظالم إلى دكتاتورية العلمانية ومعاداة العروبة، والإقصاء لكل ما يمتّ إلى الإسلام والقرآن بصلة.. باسم الديمقراطية نفسها، وباسم الحرية، وباسم القانون، وبتأييد غربي مطلق، وبزخم إعلامي هائل.

ومن هنا فلا بد من رسالة إلى كل العالم.. إلى كل العلمانيين.. إلى كل الليبراليين.. وإلى كل الناس.. إلى كل السوريين:

لن نرضى أن نُحكم بغير الإسلام.. ولن نرضى بغير شريعة الله المطلقة.. ولن نرضى بغير القرآن منهجًا ودستورَ حياة.. ولن نرضى بغير الإسلام مرجعية كاملة تامة.. ولن نقبل أن تُهدر هذه الدماء لأجل أن يستبدل طاغوت بطاغوت: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا} [النساء: 60]. ولن نتنازل عن لغة القرآن وأحكامه التي هي جزء أساسي مكوِّن لهويتنا، لن نتنازل عن ذلك لأجل إرضاء أقلية.

2- لماذا تدعون إلى الحريات، ثم إذا جاء الأمر إلى الإسلام قلتم: لا للإسلام، لا للمرجعية الإسلامية، أليس هذا هو الإقصاء بعينه؟! أليست هذه هي الدكتاتورية؟! أليس من حق المسلمين وحريتهم وحقهم أن يُحكَموا بالنظام الذي ارتضوه؟

3- كل من يدعي الديمقراطية أو الليبرالية أو الحرية أو اليسارية.. كلٌّ له مرجعيته الفكرية، وله عقيدته التي يؤمن بها، وينطلق منها، حتى لو كانت عقيدة المادة فهي عقيدة، فلماذا يحق له أن يستمد قوانينه وقيمه من عقيدته ومرجعيته، ويحجر علينا أن نفعل ذلك؟

4- الأمة معظمها أو أكثريتها مسلمة، وتريد الإسلام، ولغتها لغة القرآن.. فلماذا يتحكم البشر في البشر، ويريد البشر أن يفرض على الأمة منهجًا، ولا يسمح لمنهج رب البشر أن يهدي البشر إلى خيرهم وسعادتهم؟!

5- عندما يقال: دولة مدنية بمرجعية إسلامية، فلا يعني ذلك تسلط الدين أو رجال الدين، فأحكام الإسلام على مراتب: فمنها القطعي، ومنها الاجتهادي، ومنها المسكوت عنه. ومن هنا فإن ميدان الاجتهاد واسع، كما أنه مما تقرر إجماعًا أن لكل إنسان الحق في أن يعتقد ما شاء، ولكل فئة وملة حقهم في قانون خاص في الأحوال الشخصية، ولكل شخص حق التعبد بما يقتنع به، وغير ذلك من القضايا التفصيلية التي تنفي تسلط أحد على أحد.

6- إن الإسلاميين يؤمنون بالإسلام دينًا ربانيًّا متكاملاً، يُنظم شئون الحياة كاملة، للفرد والجماعة والأمة والدولة، في جميع جوانب حياتها، وفيه الإجابة الصحيحة والدقيقة لكل ما يحتاجه البشر، على وجه فيه صلاح العباد والبلاد. ومع ذلك فنحن مطالبون بحسن الفهم وحسن العمل وحسن التطبيق، ومن ثَمَّ فباب الاجتهاد في غير القطعيات واسع، ولا يفرض رأي على رأي، علمًا أن القطعيات -على أهميتها- محدودة.

ومع ذلك فلكل صاحب عقيدة ومذهب خصوصيته وحريته العقدية والعبادية، ولا نفرض هذا الدين على أحد، لكن من واجبنا وحقنا أن ندعو الناس إليه بالحسنى والكلمة الطيبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

مع إيماننا أن لا عصمة لأحد من الناس بعد الأنبياء، وكلٌّ مسئول ومحاسب، مهما كان موقعه، والجميع سواء أمام القانون.

ومع اعتقادنا أن مصدر التشريع والسلطات هو الإسلام؛ لأنه مُنزل من عند الله؛ فإن الأمة هي التي تعبر عن إرادتها باختيارها من ترضاهم ليمثلوها في تطبيق ذلك، وباختيار قادتها وعلمائها في الأمور الاجتهادية والمسكوت عنها، وتتحمل مسئولية الاختيار أمام الله، وأمام شعوبها. وبهذا الاعتبار يصح أن نقول: الأمة مصدر السلطات، وبهذا كله لا تخرج الدولة الإسلامية عن أن تكون دولة مدنية.

وباطل ما يروِّجه البعض بأن الدولة الدينية تقابل الدولة المدنية، إن كان يصح هذا في الدولة الدينية المسيحية المتخلفة في العصور الوسطى، فهذا لا ينطبق على ديننا، ولم يكن يومًا في تاريخ حكومة الإسلام كذلك.

7- لماذا هذه الحرب على الشيوخ والعلماء، ووصفهم تارة بالتخلف، وتارة بالسلفية، وتارة بالنفاق والوقوف مع السلطان، مع أننا نقول:

- الشيوخ منهم من يقف موقفًا فقهيًّا يظن أنه هو الصواب، وهذا اجتهاد له.

- ومنهم من لا يستطيع أن يجهر بالحق؛ لأن السيف مصلت على رقابهم.

- ومنهم من ينظر إلى الموازنات والمفاسد والمصالح، ويحكم حسبما يترجح لديه.

- ومنهم من يصدح بالحق.. ويتحمل في سبيل ذلك.

- ومنهم من ينافق.

إذن هم بين الاجتهاد والرأي والرأي الآخر، وإن دل هذا فإنما يدل على حيويةٍ واجتهادٍ وحريةٍ وتعددية، أليس هذا ما يدعون إليه؟ ألستم ترفضون أن تحكموا بالدين؟ فها هو الدين قد تعددت آراء علمائه.. فلماذا الخوف؟ ولماذا التشهير؟ ولماذا التعميم؟

لماذا الخوف أن الدين سيحكمنا ويستبد ويضطهد؟ ولماذا التعميم أن الكل منافق؟

ثم الأدهى من ذلك؛ فإذا وُجِدَت أصواتٌ مثل القرضاوي تقدم رؤية إسلامية متقدمة متوازنة، قالوا: هذا يوظف الدين، هذا يستغل الدين، هذا يريد أن يتاجر بالدين، فإذا سكت فهو منافق، وإذا تكلم فهو متاجر..

ولجميع الناس من حقوقيين وتجار وباعة وأميين وشبه أميين أن يتكلموا في السياسة، لكن الشيوخ لا يحق لهم أن يتكلموا في السياسة.

ثم هل فقط طائفة الشيوخ من تنافق؟ وأنتم تقولون: لا يجوز للدين أن يتدخل في السياسة، وتريدون أن تكمموا الأفواه..

أليس في الإعلاميين من هم أكثر نفاقًا؟

أليس في السياسيين من هم أكثر كذبًا؟

أليس في الاقتصاديين والفنانين من هو أكثر نفاقًا؟

- منهم من هو كذلك، كما أن فيهم شرفاء صادقين مضحين مخلصين، فلماذا لا نمنع جميع هؤلاء لأن فيهم مَن ينافق، ويمنع العلماء لنفاق بعضهم.

- نعم لا أرضى أن أقارن موقف العالم بهؤلاء، لكن العلمانيين يتناقضون.. لا يريدون للعالم أن يقف مع السلطة، ثم لا يريدون للدين أن يتدخل.. ثم إذا وقف العالم مع الحق فهو متهم، وهو متاجر بالدين.. وإذا حكم العلمانيون ضغطوا على العلماء؛ ليستعملوهم لتبرير سياساتهم وتأييد مواقفهم.

يريدون أن يكون الشيخ "أهبلَ"، همُّه أن يتكلم في دماء الحيض والنفاس، أما دماء الأمة ومقدساتها وأعراضها فحكر عليهم.

والعالِم المسلم الحق أول صفة فيه: أنه السياسي.. شاء من شاء، وأبى من أبى. وستجاهد الأمة دون هذا الأمر، كما قال : "والله لن أدع هذا الأمر حتى يظهره الله أو تنفرد سالفتي".

وإذا كانت الأمة قد قدمت آلاف الشهداء على طريق الحرية، فلم ينته الطريق بعد..

- نعم لن نرضى عن الإسلام بديلاً.. دستورًا ومرجعية وفكرًا وموجهًا..

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45], {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65], {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49], {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1], {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49], {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83].

إنني أدعو جميع علماء الشريعة أن لا يسكتوا في خضم هذه الثورات عن المطالبة بالحق الصريح في تحكيم شرع الله. والحجة التي قد يقابلونك بها: رضا الغرب.. والوحدة الوطنية..

فأما الوحدة الوطنية فأيُّ عقيدة وشريعة حفظت الحقوق وحققت العدالة كالإسلام، ومن قال: إن الإسلام سيقصي أحدًا من أبناء الوطن!

وأما الغرب فنقول: إن كان الغرب يريد أن يدعمنا للحق والحرية، فلا يحق لهم أن يصادروا حرية الشعوب، وليس في الإسلام ما يخيف، وإن لم؛ فمتى أراد الغرب لنا الخير؟ وهل نحن في شر إلا بسبب سياسات كثير منهم فينا وعلينا؟ وهل كانت هذه الحكومات الظالمة المستبدة إلا مرضيًّا عنها عند الغرب؟ وهل كانت إلا علمانية؟ وهل كانت إلا راعية لمصالح الغرب؟

فما أفسدَ حالَنا الإسلامُ، وإنما أفسد حالَنا العلمانيةُ وأهلها.

وإذا كان هناك قواسم مشتركة ومصالح متبادلة بيننا وبين الغرب؛ فلا يجوز أن تكون على حساب ديننا وعقائدنا ومبادئنا وقيمنا.

إن الذي لا يجوز أن نغفل عنه لحظة واحدة، أننا إنما نستنصر بالله لا بأعدائه: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7], {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: 28], {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا} [يونس: 84], {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 61، 62].

بقي أن نقول: إن البعض يهاجم هذه الثورات بدعوى أن نرضى بالظلم والاستبداد خير من الفساد والخراب والفتن والفوضى. فنقول: بل يجب أن يقال: إن الظلم والاستبداد هو عين الفساد والفتنة والفوضى والخراب، وأي أثر سلبي يحدث نتيجة هذه الثورات، فإنما هو أثر من آثار هذا الظلم وتراكماته والسكوت الطويل عنه. ومن ثَمَّ إنما يتحمل هؤلاء الظلمة كل الآثار السلبية التي قد تقع.

شاهد ايضا :

ماذا يريد العلمانيون من مصر ؟ خالد الشريف

ماذا يريد العلمانيون من مصر ؟ خالد الشريف


العلمانية والإسلاماستطاع النظام السابق أن يَسْتَقْطِب النُّخَبَ العلمانية في بلادِنا ويفتح لها كافةَ قنواتِه ومنابرِه الثقافية من أجل مُحاربة التيار الإسلامي، والذي كان يمثِّل رأسَ الحربة في معارضة نظام مبارك وشَحْذِ هِمَم الجميع للاصطفاف لِمُحاربة ما دعاه زورًا وبهتانًا بالإرهاب، وكان هذا النظام نفسه هو صانع الإرهاب الحقيقي.. تلك هي الحقيقة المرة.. أي أنَّ هناك من وضَع يدَه في يد مبارك رغم الاختلاف بينَهُما، لكنَّ الجميعَ اتَّفق على إبادة وإقصاء التيار الإسلامي.. ونحن اليوم لا نريد أن نَنْكَأَ الجراح ونرفض إقصاء الآخر، إنَّما نعجب من أولئك العلمانيين الذي يَستَتِرون بمدنية الدولة ويرتدون ملابس الوعَّاظ والرهبان، وهم ثعالب في الميدان يُروِّعون الناس من الإسلاميين.

ويريدون بعد الثورة أن يَنْفُثُوا سمومَهم كما كانوا يفعلون في السابق يَتبادَلُون الأدوار والأبواق.. وبدايةً نؤكِّد أنَّ التيار الإسلامي بطُولِه وعرضه وجميع اتجاهاته يرفض إقصاء الآخر.. لكن من حقِّه أن يُبَيِّن عوارَ العلمانيين الذين كانوا بالأمس في موضع خيانة وتحالفٍ مع النظام السابق لإقصاء الإسلاميين واستبعادهم من الحياة السياسية والمشهد الإعلامي برُمَّته.. بل واعتقالهم وسحقهم.

واليوم باتَ العلمانيون يُشْعِلون الحرائق حول وضع الدستور الجديد وشرعوا في وضع مبادئ حاكمة "فوق دستورية"، وتَمَّ البدء بالفعل في تشكيل لجانٍ لوضعِ هذه المبادئ فوق الدستورية.

والأمر قد يبدو في ظاهره الرحمة وفي باطنه العذاب؛ فالنُّخَب العلمانية تَدَّعي أنَّ هذه المبادئ فوق الدستورية الغرض منها حماية الحريات العامة والتعددية وسيادة القانون والمساواة.. لكن في الحقيقة الغرض منها تفريغ المادة الثانية من الدستور من مَضْمُونها الحقيقي، وتحويلها إلى إطار بلا مضمونٍ في محاولةٍ فعليةٍ لعَلْمَنة الدولة المصرية ومحو هويتها الإسلامية.

ومصر -رائدة العالم الإسلامي- لا تصْلُح معها هذه العلمانية؛ لأنَّ الإسلام مُتجذِّر فيها، فهؤلاء المتغرِّبون المفتونون بأوربا يجهلون حقيقة علاقة الإسلام بالدولة والسياسة؛ لأنَّ هذه العلاقة كانت قضيةً محسومةً وموضعَ إجماع.. فالإسلام عقيدة وشريعة، وسياسةً وجهادًا وقانونًا وعلى امتداد ثلاثة عشر قرنًا من عمر الحضارة الإسلامية لم يعرف الناس حديثًا عن الفصل بين الدِّين والدولة، إلا مع طلائع الغزو الفكري الغربي لبلادنا في العصر الحديث..

فأوَّل مَن ادَّعَى العلمانية في بلاد الإسلام، ونفَى علاقة الإسلام بالسياسة والدولة هو عليّ عبد الرَّزَّاق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" وذلك في سنة 1925م، ويومَها ثارَت معركة فكرية كبيرة ضدَّ الرجل انْحاز لها مفكرو الأمة؛ إسلاميون ووطنيون من لَدُن سعد زغلول إلى طه حسين.. لكن الجدل يشعله العلمانيون اليوم بعد ثورة 25 يناير مخافةَ تكرار الدولة الكَنَسية التي عَرَفَتْها أوربا، والأمر مختلف تمامًا للدولة التي يَنْشُدُها التيار الإسلامي والتي تُمثِّل نمطًا متميزًا وضعت قيمًا وأخلاقًا وأحكامًا وحدودًا يتحرَّكون في ظلالها، وتركت للناس الحرية كاملة في اختيار الحاكم، وجعلت بينَه وبين الرَّعِيّة عقدًا يُمْكن أن يُفْسَخ في أي وقتٍ، إذا طرأ فساد على العقد، وتركت لهم حرية تدبير شئونهم وحياتهم.

ويكفي أنَّ أوربا تَجَرّعت كأس العلمانية المسمومة حتى أصبح الإنسان في الغرب بلا روح ولا قِيم ولا أخلاق، وتفسَّخت في ظلِّها الروابط الاجتماعية والدينية.. وأصبح الرجل يصاحب خليلات ويُحرّم عليه الزواج، والمرأة لها أصدقاء خارج نطاق الزوجية، وانتشر العقوق والعلاقات المحرَّمة، وأصبح الإنسان في الغرب يشعر كأنَّه آلة بلا روح؛ مما أدَّى لشيوع حالات الانتحار، وهجَر الناس دورَ العبادة والكنائس.

فهل يريد العلمانيون في مصر أن نَجْنِي ثمار علمانِيَّتهم الخبيثة التي بارَت بضاعتها في الغرب، ويتمزَّق هذا المجتمع المُتديّن بفطرتِه، والذي لا يقبل بغير الهويَّة الإسلامية بديلاً؟!

على العلمانيين أن يَلُوذوا بالصمت وألا يفتحوا باب خيانتهم للوطن بتحالُفِهم مع النظام السابق؛ حتى لا يَلفِظهم الناس أكثر من ذلك.. {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا} [النساء: 27] صدق الله العظيم.

المصدر: جريدة اليوم السابع.

شاهد ايضا :

اتفاق علماني مع العسكري !! د. رفيق حبيب


الدستور المصري 
 بات واضحًا أن هناك اتفاقًا بين العديد من القوى العلمانية الليبرالية مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن هذا الاتفاق مدعوم خارجيًّا، أو متوافق مع توجهات الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وكل المؤشرات تؤكد أن هذا الاتفاق يتضمن محاولة تقييد عملية وضع الدستور الجديد، وتقييد العملية السياسية بعد وضع الدستور، في مقابل احتفاظ القوات المسلحة بوضع خاص وقيامها بدور سياسي ما.

وفي كل مرة تتغير طريقة تنفيذ هذا التصور، ولكن يبقى جوهر التصور واحدًا، فهو يدور حول تقييد العملية السياسية من خلال دور للقوات المسلحة. والظاهر أن كل التوافقات الوطنية الحادثة ليس لها تأثير على هذا السيناريو، فرغم توافق كل القوى السياسية على جملة المبادئ السياسية الدستورية، التي ترغب كل القوى السياسية في أن يقوم عليها الدستور الجديد، فإن محاولات الالتفاف على الإرادة الشعبية، ووضع قيود عليها حاليًا ومستقبلاً لم تتوقف.

وإذا كانت كل القوى السياسية توافقت على مبادئ المواطنة والمساواة والحقوق والحريات، ومرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية، فكان من المفترض أن تنتهي المواجهة السياسية بين التيار العلماني والتيار الإسلامي. ولكن استمرار التيار العلماني في محاولة وضع قيود على الاختيارات الشعبية الحرة، حاليًا ومستقبلاً، تدل على أن المشكلة أكبر مما يظهر. ويبدو أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لديه تصور أن أي تغيير واسع في سياسات الدولة، سوف يكون له تأثيرات إقليمية ودولية واسعة؛ مما جعله يتصور أن دوره في حماية الأمن القومي، يتطلب منه أن يكون له دور في العملية السياسية، ويبدو أيضًا أن الدول الغربية خاصة أمريكا، توافق على هذا التصور.

كما أصبح من الواضح أن القوى العلمانية تريد أيضًا تقييد العملية السياسية؛ حتى لا يحدث تغيير واسع في سياسات النظام الحاكم، التي استقرت زمن النظام السابق، بما في ذلك طابعها العلماني القومي القطري.

معنى ذلك أن السبب وراء محاولات تقييد عمل البرلمان القادم، وتقييد اللجنة التأسيسية التي سوف تضع الدستور الجديد، ومن ثَمَّ تقييد العملية السياسية فيما بعد، يكمن في وجود رغبة في الحفاظ على الطابع العلماني لسياسات الحكم، بما في ذلك طابعة القومي البعيد عن الهوية العربية الإسلامية، وطابعه القطري البعيد عن الوحدة العربية الإسلامية.

لذا يمكن القول: إن القوى العلمانية تريد تقييد مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية؛ حتى لا تتمدد بقدر يؤدي إلى تنحية الطابع العلماني القومي القطري، المتحقق في سياسات الحكم التي استقرت في العقود الماضية. بما يجعل الخلاف الأساسي بين النخب العلمانية والتيار الإسلامي، في أن النخب العلمانية تريد تقييد الإرادة السياسية الشعبية؛ حتى لا تخرج عن الطابع العلماني المتحالف مع الغرب مستقبلاً.

لذا فالخلاف ما زال حول المبادئ الأساسية الدستورية، حيث تريد النخب العلمانية تغليب المواطنة والمساواة والحريات بمعناها العلماني، وتنحية مبادئ الشريعة الإسلامية نسبيًّا، في حين أن التيار الإسلامي في أغلبه، ومعه جمهور واسع، يريد تحقيق المواطنة والمساواة والحريات داخل إطار مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية.

شاهد ايضا :

من الذى يحرق مصر الآن ، ولماذا ؟؟


مشاهدة وتحميل المسرحية الهادفة "سكة السلامة" للفنان المحترم محمد صبحي

من الذى يحرق مصر الآن ، ولماذا ؟؟


إحراق مصر (18-12-2011)
إنهم يحرقون مصر من أجل ألا يصل الإسلاميون إلى سدة الحكم فيها..

هذه خلاصة المشهد وقراءته الأولية دون الدخول كثيرًا في التفاصيل؛ فما يحصل في مصر قد بات مفهومًا لكثير من عقلاء مصر، إذ لا شيء يبدو مبررًا في كل ما يحصل.

السلطات المصرية الموالية للغرب حشرت كل شعب مصر الكبير في شارع واحد، وحاولت أن توحي بأنها غير قادرة على فرض الأمن في الشارع، وأرادت أن توصل تلك الرسالة بأن سلطة عاجزة عن بسط هيمنتها على عشرات أو حتى مئات الأمتار ليس بوسعها أن تضمن نزاهة أو تؤمِّن انتخابات في طول البلاد وعرضها.. هكذا أرادت أن تقول برغم كل تأكيداتها، بل وقسم مسئوليها على أنها ستُجرِي الانتخابات في موعدها المقدَّر منذ شهور.

كان من الممكن تفهم أي اضطرابات في مصر تعرقل المسار الديمقراطي في مصر، وقد حاول كثيرون إشعال النار في طريق الحرية، لكن هذه المرة لا يمكن أن يفسر هذا المسار التدميري؛ لأنه لا يمكن تفهم إحجام جميع القوى العسكرية والأمنية عن وقف هذا العنف، ووضع سياج حول مبنى وزارة الداخلية، وهو ما حصل بالفعل حول السفارة الصهيونية ومبنى وزارة الدفاع المصرية ومبنى ماسبيرو من قبل، وليس غائبًا بالطبع عن أذهان النظام العسكري والأمني في مصر، وهو ما بدأت في تنفيذه قوات من الجيش في اليوم الخامس من الاضطرابات!

لقد عمدت مجموعات شبابية مشبوهة إلى تأجيج الموقف في أعقاب مليونية رفض وثيقة السلمي المعيبة وطلب تسليم السلطة للمدنيين وفق جدول زمني معروف، وتناغمت معها بعض القوى من داخل النظام نفسه تعاملت بشكل متعمد لتمديد فترة الاضطرابات، وتراخت بشكل واضح في فرض الأمن في محيط وزارة الداخلية بما ضاعف من عدد الضحايا من القتلى والجرحى، وألقى بظلال داكنة على مستقبل مصر الجديدة.

وبالتوازي مع هذه الاضطرابات، عملت وسائل الإعلام الرسمية وغيرها على تأجيج المشكلة أكثر ومفاقمتها في مسعى من بعضها لوضع العربة أمام حصان الانتخابات، وكبح جماح الإسلاميين ووأد مشروعهم الحضاري، وكان لافتًا أن أكثر وسائل الإعلام نسبة لما يُسمى بـ"الفلول" هي الأكثر حماسة لتأجيج مشاعر الجماهير ضد ممارسات الشرطة العنيفة.

وكان من المفترض أن يكون للإسلاميين موقفهم الموحَّد سواء بالمشاركة في المليونية مجهولة الهدف التي أعلن عنها أصحابها، أم بعدم المشاركة، لكن مواقف الإسلاميين المتباينة أضعفت من تأثيرهم في الأحداث، فاتخذوا أسوأ السيناريوهات وهو مشاركة البعض وإحجام البعض الآخر، ما نجم عنه في النهاية حالة متأرجحة لا يبدو الإسلاميون فيها رقمًا فاعلاً، رغم كثرتهم وغالبيتهم الواضحة.

وبدا أن التسويق لفكرة سيطرة علمانيين وليبراليين على مقاليد السلطة بعناوين مختلفة يلقى صدى في دوائر صنع القرار، كبديل مقنّع لبناء المؤسسات الرسمية وفقًا لاختيار الشعب المصري، وغدت مصر سائرة إلى مجهول وضعها الغرب على سكته الموحشة؛ إما للوصول إلى نهاية معروفة أو لإحداث فوضى "خلاقة" تحول مؤقتًا دون وصول الإسلاميين لسدة الحكم، وإن لم تحل المشكلة بشكل جذري.

المصدر: موقع المسلم.

شاهد ايضا :

نهاية الدكتور / محمد البرادعي

الدكتور / محمد البرادعي ..نهاية قبل البداية

عامر عبد المنعم
الدكتور محمد البرادعي لم يكن أحد يتوقع نهاية الدكتور محمد البرادعي بهذه السرعة قبل توجه الشعب المصري لصناديق الانتخابات في المرحلة الأولى لاختيار البرلمان الجديد.

لقد فشلت محاولة الانقلاب على السلطة بتشكيل حكومة من قلة في ميدان التحرير برئاسة البرادعي، وأطاحت طوابير المليونيات أمام اللجان الانتخابية بحلم الرجل في القفز على السلطة بأي طريقة استبدادية.

أسقط الشعب المصري بالضربة القاضية المخطط الأمريكي المعادي الذي يريد نقل السلطة من المجلس العسكري إلى مجلس أو حكومة برئاسة البرادعي، بعيدًا عن الإرادة الشعبية.

لم يسقط البرادعي لوحده، وإنما سقطت معه المجموعات والائتلافات والشخصيات التي حاولت تقديمه في لحظة فارقة من تاريخ مصر.

لم يدرك من شاركوا في المؤامرة أن الشعب المصري لم يقم بثورته ليتخلص من الموظف الأمريكي حسني مبارك، ليأتي بالموظف الأمريكي محمد البرادعي.

راهنت الإدارة الأمريكية على محمد البرادعي وقام الإعلام الغربي والعربي الممول أمريكيًّا بتلميعه، وانساق خلف الخدعة الكثير من الراغبين في التغيير دون عقل، حتى جاءت اللحظة الفارقة التي كشفت المخطط المفضوح.

لم نكن نتوقع هذه الحماقة من غرف العمليات الأمريكية والأوربية لتنصيب البرادعي بهذه الطريقة الفجة رئيسًا لما يسمى "حكومة الإنقاذ الوطني" بعد فشل خدعة ما يسمى "المجلس الرئاسي المدني".

التزمنا الصمت منذ ظهور البرادعي في آخر عهد مبارك، ورأى البعض عدم انتقاده من باب حشد القوى لإسقاط مبارك، وعدم افتعال الخلافات خاصة أن بعض القوى السياسية وقفت خلفه وجمعت له التوقيعات، ولكن رغم ذلك كنا نرى الخطر، وكنا نعلم أن أمريكا تقف خلفه بقضها وقضيضها، خاصة بعد فشل محاولة الدفع ببديل آخر.

لكن ما هي قصة البرادعي؟ وكيف صعد؟ وكيف صنع الإعلام هالة حوله ضخمت من حجمه بغير الحقيقة على الأرض؟

عندما بدأ السويدي هانز بليكس مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الاعتراض على التدخل الأمريكي في شئون الوكالة والضغط عليه لإصدار تقارير لجان التفتيش بإدانة الحكومة العراقية، بدأ الأمريكيون يفكرون في الخلاص منه وتعيين بديل ينفذ رغبات البيت الأبيض.

الذي دفع الأمريكيين إلى التخلص من بليكس أنه بدأ يثرثر ويصدر التصريحات التي تفضح الحكومة الأمريكية، ومن أبرز ما كشفه عمليات التجسس عليه وعلى الأمم المتحدة بوضع أجهزة التجسس عليه في منزله ومكتبه بالوكالة وفي مجلس الأمن.

عندها بحث الأمريكيون عن الشخص المناسب الذي يؤدي المهمة في صمت، ويقوم بالمراد فكان البرادعي.

كان الصعود المفاجئ لمحمد البرادعي عندما رشحته أمريكا ضد مرشح مصر السفير الدكتور محمد شاكر لتولي منصب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 1 ديسمبر 1997م خلفًا للسويدي هانز بليكس، وتحايلت أمريكا لكونه ليس مواطنًا أمريكيًّا بدفع المجموعة الإفريقية لترشيحه. طلبت أمريكا من الدول الأعضاء تأييد مرشحها وعدم تأييد المرشح المصري، فحصل البرادعي على 33 صوتًا من إجمالي 34 صوتًا في اقتراع سري للهيئة التنفيذية للوكالة.

منذ تقلده المنصب قام بدوره المطلوب أمريكيًّا على أكمل وجه، قاد حملات التفتيش على الأسلحة في الدول التي تصفها أمريكا بالمارقة (العراق، إيران، كوريا الشمالية). كتب التقارير عن العراق وفقًا لرغبات أمريكا، ولا مانع من الإدلاء بتصريحات حمالة أوجه يمكن تفسيرها بأكثر من وجه، لكن محصلتها عدم تبرئة العراق. ونظرًا لأداء وظيفته كما هو مطلوب قامت أمريكا باختياره رئيسًا لفترة ثانية في سبتمبر 2001م ولمرة ثالثة في سبتمبر 2005م.

يصف العراقيون البرادعي بأنه مجرم حرب، وهناك من يتهمه بمشاركة الأمريكيين في الحرب ويطالب بمحاكمته على تقاريره وجولاته الاستعراضية التي مهدت الأرضية لجورج بوش وفريقه للقيام بالغزو وتدمير العراق.

مواقف البرادعي في الوكالة الدولية لم تكن في صالح العرب والمسلمين. لم يكن مدافعًا عن قضايا الأمة، وإنما كان جنديًّا لأعدائها. فالتفتيش كان في بلاد المسلمين لتجريدها من أي مشروع نووي، حتى وإن كان للأغراض السلمية.

لم تتطرق الوكالة في عهده لأسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها إسرائيل، ولم يصدر أي تقرير عن ترسانة الأسلحة الإسرائيلية.

وفي عهده كانت لجان التفتيش تزور البلدان العربية وتأخذ عينات لتحليلها؛ حتى تتأكد أمريكا وحلفاؤها الغربيون أن العرب ما زالوا في بيت الطاعة، ولن يدخلوا هذا المجال. وإذا لخصنا مهمته خلال الفترات الثلاث التي ترأس فيها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، سنجد أنها تدور حول تجريد المسلمين من أي سلاح نووي ومنع أي تحرك ولو بحثيًّا في هذا المجال، وتبليغ أمريكا لتمارس الضغوط والإرهاب.

مقارنة مع بليكس

إذا أجرينا مقارنة بين محمد البرادعي وهانز بليكس، سنكتشف أن بليكس أكثر نزاهة ومبدئية، رغم أنه ليس عربيًّا ولا مسلمًا. فالرجل بحسه الإنساني قال: لا لأمريكا، ورفض أن يكون مجرد موظف ينفذ ما يطلبه منه البيت الأبيض، وأعلن رفضه للإجرام الأمريكي.

ملأ هانز بليكس الدنيا ضجيجًا، فاضحًا الدور الأمريكي في التأثير على الوكالة، وحتى الآن يحضر بليكس المؤتمرات ويجوب العالم كاشفًا خدع الأمريكيين. ومؤخرًا حضر جلسات في مجلس اللوردات البريطاني، وأدلى بشهادته ضد توني بلير وتورطه مع الأمريكيين في غزو العراق وقتل أكثر من مليون عراقي بذريعة أسلحة الدمار الشامل.

في المقابل كان البرادعي موظفًا مثاليًّا بالنسبة للأمريكيين. ظل طوال فترات مسئوليته في الوكالة مطيعًا وكتومًا. قدَّم للأمريكيين ما أرادوا طوال الفترات الثلاث، واعترف مرارًا في مؤتمرات صحفية علنية بتعاونه مع المخابرات الأمريكية التي كانت تمده بالمعلومات حول الأماكن التي يجب التفتيش عليها.

لم يصدر البرادعي أي تقرير يكشف فيه كذب الادعاءات الأمريكية عن وجود أسلحة نووية في العراق، بل كان يهدد ويتوعد صدام حسين، متهمًا إياه بعدم التجاوب مع لجان التفتيش، وفي النهاية هو الذي قدم الوعود الكاذبة لصدام وساومه لتفكيك صواريخ سكود العراقية مقابل إصدار تقرير بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، فقبل صدام وأشرف البرادعي بنفسه على تفكيك الصواريخ أمام عدسات الإعلام، ولكن لم يصدر البرادعي التقرير وحدث الغزو، فلم يجد الجيش العراقي ما يدافع به عن نفسه.

التقارير التي وقع عليها البرادعي المتعلقة بالدول العربية كانت لحرمانها من دخول هذا المجال، ولم يتورع عن إصدار تقرير ضد مصر زعم فيه اكتشاف يورانيوم عالي التخصيب، وهو ما تسبب في ممارسة ضغوط أمريكية وأوربية على الرئيس المخلوع، فاضطر للتراجع وعرقلة المشروع المصري.

ولمنع مصر من دخول المجال النووي للأغراض السلمية كتب البرادعي تقريرًا قال فيه: إن مصر تفتقر إلى الكوادر الفنية اللازمة لذلك؛ فضغط الغرب على مبارك فتوقف البرنامج. أي أن البرادعي كان خصمًا لمصر ولم يكن عونًا لها.

ومن يرد المزيد عن تقارير البرادعي ضد الدول العربية والإسلامية، فليرجع إلى الدكتور يسري أبو شادي كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق الذي فضح مواقف البرادعي الموالية لأعداء الأمة.

جائزة نوبل

الحقيقة التي لا يستطيع البرادعي نفيها أنه كان وما زال وفيًّا للأمريكيين، وهم من جهتهم ردوا إليه الجميل بترشيحه لنيل جائزة نوبل.

هذه الجائزة لا يحصل عليها في العالم العربي إلا من يرى الغرب أنه ضد أمته الإسلامية أو ضد دينها الإسلام، أو من ينتمي للغرب قلبًا وقالبًا، أو من يسانده اليهود، وهذا أمر معروف ومشهور.

تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري

البرادعي الذي يريد البعض أن يتولى رئاسة "حكومة الإنقاذ المزعومة" لا يرى ما نراه من مخاطر، ولا يتفق معنا في رؤيتنا للعدو، وهو يفكر بذات المنطق الأمريكي.

في النظرة لمحددات الأمن القومي ودور الجيش المصري لا يختلف البرادعي عن قادة المخابرات الأمريكية، فهو مثلهم يرى أن الجيش المصري عليه أن يعمل وفق الرؤية الأمريكية ولا شيء غير ذلك؛ ففي الحوار الذي أجراه محرر الأهرام سمير السيد يوم 17/04/2011م قال البرادعي: إن جيش مصر ستقتصر مهمته "على مواجهة التحديات المعاصرة مثل الإرهاب والجريمة المنظمة والحروب الأهلية". أي أنه يريد تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري واستبعاد إسرائيل عن كونها عدوًّا. فهو يريد أن يكون جيش مصر مفرزة أمريكية لمكافحة ما يسمى "الإرهاب"، وأن يتحول الجيش المصري إلى خوض حروب أمريكا بالوكالة كما نشاهد في باكستان، وما يفعله علي عبد الله صالح قبل الثورة اليمنية.

فمكافحة الإرهاب والجريمة ليست مهمة الجيوش، كما أن الحرب على ما يسمى "الإرهاب" حربٌ أمريكية مصطنعة، وثبت أنها تستهدف الإسلام كدين.

ولكن أخطر ما طرحه البرادعي هو أن يستعد الجيش المصري للحرب الأهلية، فهذا هو الباب الجديد الذي يريد الأمريكيون وعملاؤهم أن يفتحوه ويمهدوا له في مصر، فإثارة النعرات وكثرة الكلام عن توقع حروب أهلية يلفت الانتباه إلى ما يستهدفه المخطط المعادي. وظهر هذا الأمر في الفترة الأخيرة في نفخ الإعلام الفاسد المتأمرك في المشكلات الطائفية بين المسيحيين والمسلمين، وتحريض الأقلية المسيحية على التمرد والصدام، وإثارة الأعراق كالنوبة والجهويات كسيناء.

وهذا المكر الخطير في إثارة التناقضات والانشقاقات داخل النسيج الوطني ظهر في أوراق مكتوبة مثل مشروعات الوثائق التي انشغلنا بها طوال الشهور الأخيرة حول ما يسمى المبادئ الدستورية، التي وردت بها فقرات عما أسموه مناطق ذات طبيعة ثقافية خاصة، وكان واضحًا من الصياغات أنها كتبت خارج مصر.

لكن ما يمهد له البرادعي يتسق مع دوره الجديد كموظف في "مجموعة الأزمات الدولية" اليهودية، التي تقوم الآن بتقسيم العالم العربي، وهذا الدور يمكن أن نطلق عليه سايكس بيكو جديد.

مجموعة الأزمات الدولية

يعمل محمد البرادعي حاليًا في أخطر منظمة تعمل لتمزيق العالم العربي وتقود وتنفذ المخطط لتقسيم الدول العربية، وهي "مجموعة الأزمات الدولية".

أسس هذه المنظمة كبار اليهود الأمريكيون والأوربيون لتقنين عملية تمزيق الدول، واللعب على قضية الأعراق والإثنيات.

أبرز قادة هذه المجموعة رجل الأعمال اليهودي الشهير جورج سورس الذي يشرف حاليًا على منظمات تقوم بتدريب مجموعات شبابية من مصر والدول العربية لتشكيل امتدادات شعبية للمخططات المعادية.

قادت "مجموعة الأزمات الدولية" معركة فصل جنوب السودان، وهي التي شنت الحملة الإعلامية ضد النظام السوداني، واخترعت موضوع الإبادة في دارفور. وتقود الآن حملة إعلامية وسياسية أخرى لتفكيك شمال السودان.

وهذه المجموعة التي تمولها شخصيات ومنظمات يهودية لعبت دورًا محوريًّا في طرح الفيدرالية في العراق، بل إنها تعمل على فصل كركوك عن بغداد ليس لضمها إلى السليمانية، وإنما لتكون وحدة إدارية منفصلة.

وتلعب "مجموعة الأزمات الدولية" نفس الدور الشرير في اليمن لفصل الجنوب. ومنذ سنوات تصدر التقارير بشكل دوري للضغط على الحكومة اليمنية لحماية ما تطلق عليه خصوصية الجنوبيين وحقهم في الانفصال.

والدور التآمري لهذه المجموعة واضح في القضية الفلسطينية، فتقاريرها تحريضية ضد الفلسطينيين وانحيازها للاحتلال الإسرائيلي واضح. وآخر مواقفها المعادية للحق الفلسطيني رفضها لمبادرة محمود عباس الأخيرة للتوجه إلى الأمم المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية، حيث حرضت الأوربيين للوقوف ضد هذه الدولة ومساندة الفيتو الأمريكي.

وكأن البرادعي لا يكتفي بدوره في تجريد المسلمين من سلاحهم النووي، فراح يشارك في أخطر منظمة يهودية تعمل على تمزيق الدول العربية واحدة بعد الأخرى.

موقفه من الإسلام

موقف البرادعي من الإسلام شديد الغرابة، ففي تصريحاته للإعلام الغربي يظهر لهم أنه لا ينتمي للثقافة الإسلامية، ويتعمد ذكر أشياء مسيئة له كشخص محسوب على المسلمين، وتسيء له أخلاقيًّا.

وله تصريحات متناثرة كثيرة، لكن أكثرها جرأة ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز في عام 2007م حيث نشرت مقابلة أجريت معه قال فيها كلامًا لا يليق، والغريب أنه نشر نص هذا الحوار المسيء على موقعه الشخصي منذ شهور، ويبدو أن هناك مَن نصحه برفعه، فحذفه مؤخرًا.

في هذا الحوار المنشور في الصحيفة الأمريكية أكد البرادعي الذي يريد أن تنصبه قلة في ميدان التحرير رئيسًا لحكومة مصر أن الدين ليس له أهمية في حياته، وأنه انزعج بشدة؛ لأن والدته ارتدت الحجاب وظل يجادلها يوميًّا ليقنعها عبثًا بخلعه.

وقال: إن أول صديقة له (girlfriend) كانت يهودية، وأن الذهاب إلى البار الأيرلندي من الأشياء المحببة.

أي إنسانٍ هذا الذي يريد أن تخلع أمه حجابها وهي العجوز التي تجاوزت الثمانين عامًا؟! هذه الواقعة وحدها كافية بطيِّ صفحته كسياسي يترشح لعضوية المجلس المحلي في أي قرية مصرية، وليس كمرشح لقيادة دولة كبيرة كمصر دينها الإسلام.

هذا هو البرادعي، وهذه هي مواقفه.

من لا يريد أن يفهم أن المسرحية انتهت فلن يجني إلا الشوك، ومن يلعب بالنار تحرق أصابعه، ومن يتورط في المخطط الأمريكي بغير وعي، عليه أن يعترف بالخطأ ويرجع ليشارك في استقلال مصر عن الهيمنة الأمريكية، وأما مَن يعبد أمريكا ويصرُّ على السير في الطريق الخطأ، فهو أمام حائط سد.

لقد انتهت اللعبة، فهل من معتبر؟!

المصدر: جريدة الفتح المصرية.

شاهد ايضا :